وأهلكهم هو وما كانوا يفترون؛ أي: أهلكهم ذلك هو وافتراؤهم، وفيه قبح حتى يؤكده المضمر المرفوع.
ويجوز أن تكون " ما " في موضع رفع عطفاً على ذلك، والتقدير: وذلك افتراؤهم أهلكهم وأظلهم، " وما " في موضع رفع على قراءة الجماعة عطفاً على " إفكهم " وهي وما بعدما مصدر فلا تحتاج إلى عائد فإن قيل جعلتها بمعنى: " الذي " قدرتها محذوفة، والتقدير وما كانوا يفترونه.
وحكى الزجاج: وذلك أفكهم بالمد: بمعنى أكذبهم.
قال: وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجن يَسْتَمِعُونَ القرآن.
أي: واذكر يا محمد إذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن، وصرفه إياهم هو الرجم الذي حل بهم بالشهب / من السماء عند الاستماع على عادتهم، فلما
رجموا بالشهب ومنعوا مما لم يكونوا يمنعون منه قالوا: إن هذا الحادث (حدث في السماء لشيء) حدث في الأرض، فذهبوا يطلبون ذلك الحادث في الأرض حتى رأوا النبي ﷺ خارجاً من سوق عكاظ يصلي بأصحاب الفجر، فسمعوا قراءته وذهبوا إلى أصحابهم منذرين، وهذا قول ابن جبير.
قال ابن عباس: لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام، وكانت/ الجن تقعد من السماء مقاعد للسمع فلما بعث الله نبيه عليه السلام حرصت السماء حرصاً شديداً، فرجمت الشياطين فأنكروا ذلك، وقالوا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً.
فقال إبليس اللعين: لقد حدث في الأرض حدث فاجتمع إليه الجن، فقال: تفرقوا في الأرض فأخبروني ما هذا الخبر الذي حدث في السماء، وكان أول بعث بعثه ركباً من أهل نصيبين وهم أشراف الجن وسادتهم، فبعثهم الله إلى
تهامة فاندفعوا حتى بلغوا وادي نخلة فوجدوا نبي الله ﷺ يصلي صلاة الغداة ببطن نخلة فاستمعوه فلما سمعوه يتلو القرآن قالوا: أنصتوا، ولم يكن النبي عليه السلام يعلم بهم، فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين، قال ابن عباس: وكانوا سبعة من أهل نصيبين فجعلهم رسول الله ﷺ رسلاً إلى قومهم.
وقال (زر بن حبيش): كانوا تسعة، قال ابن عباس: لم يشعر بهم رسول الله ﷺ.
وقال الحسن: لما أتوا ليستمعوا أعلم الله نبيه عليه السلام بمكانهم.
وقال قتادة: بل أمر رسول ﷺ أن يقرأ عليهم، وروى عنه أنه قال لأصحابه: " أمرت أن أقرأ على الجن فأيكم يتبعني فأطرقوا، ثم قالها لهم ثانية وثالثة فأطرقوا فاتبعه ابن مسعود، فدخل رسول الله ﷺ شعباً يقال له شعب (الحجون) ثم خط رسول الله ﷺ ( على عبد الله خطاً). قال عبد الله: فجعلت الجن تهوي وأرى أمثال النسور تمشي، وسمعت لغطاً شديداً حتى خفت على رسول الله ﷺ، ثم تلا القرآن، فلما رجع رسول الله ﷺ قلت: يا نبي الله ما اللغط الذي سمعتُ؟ قال: اجتمعوا إلي في قتيل كان بينهم فقضى [فيه] بالحق ".
" وروى جابر بن عبد الله وابن عمر: " أن النبي ﷺ قرأ عليهم سورة الرحمن فكلما قرأ النبي: فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ قالت الجن: لا بشيء من آلاء نعمائك
نكذب ربنا فلك الحمد "
ولما قدم ابن مسعود الكوفة رأى شيوخاً شمطاً من الزط فراعوه فقال: من هؤلاء؟ قالوا: هم نفر من الأعاجم، فقال: ما رأيت للذين قرأ عليهم نبي الله من الجن شبهاً أدنى من هؤلاء. وروى معمر " أن النبي ﷺ خط على ابن مسعود خطاً ثم قال له: لا تخرج منه، ثم ذهب إلى الجن فقرأ عليهم القرآن ثم رجع إلى ابن مسعود فقال له: هل رأيت شيئاً؟ قال: سمعت لغطاً شديداً. قال: إن الجن تدارت في قتيل بينهما فقضى فيه بالحق.
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي