إيمان الجن بالقرآن
وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ( ٢٩ ) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ( ٣٠ ) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ( ٣١ ) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ( ٣٢ )
تمهيد :
هذه آيات تفيد أن الجن استمعت إلى القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم، فانصرف نفر منهم إلى قومهم يحثونهم على الإيمان، ويحذرونهم من الكفر، وتفيد الأحاديث النبوية الشريفة أن حضور الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تكرر.
كما يفيد القرآن والسنة بمعلومات عن الجن، منها ما يأتي :
١- هناك في هذا الكون عوالم متعددة، ومعلومات كثيرة، ومنها عالم الملائكة، وعالم الجن.
٢- الجن عالم له تجمعات وقبائل : إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم... ( الأعراف : ٢٧ ).
أي أن الجن لهم قدرة على التشكل والتكيف والحياة في هذه الدنيا، وهم يرون الإنسان ولا يراهم الإنسان.
٣- سخر الله الجن لسليمان عليه السلام : يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات... ( سبأ : ١٣ ).
٤- الجن فريقان : طائع مهتد مستمع القرآن، مستخدم عقله في استجلاب أسباب الهداية، وعاص ضال.
٥- مكن الله سليمان من تسخير العصاة من الجن، وحبسهم وتقييدهم في السلاسل.
قال تعالى : وآخرين مقرنين في الأصفاد . ( ص : ٣٨ ).
كما سخر الله له الجن الطائعين. قال تعالى : ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه... ( سبأ : ١٢ ).
٦- الجن خلقت من النار، والملائكة من النور، والإنسان مخلوق من تراب، خلط بالماء فصار طينا، ثم ترك الطين فترة حتى صار حمأ مسنونا كالفخار.
٧- الجن مدعوون إلى الإيمان، ومحذرون من الكفر والجور والظلم والعدوان.
قال تعالى : وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا . ( الجن : ١١ ).
وقال سبحانه : وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آَمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا ( ١٣ ) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ( ١٤ ) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ( ١٥ ) وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ( ١٦ ) ( الجن : ١٣-١٦ ).
وقال سبحانه : يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ . ( الأنعام : ١٣٠ ).
٨- من أطاع من الجن فله الثواب، ومن عصى فعليه العقاب.
٩- الجن عالم تحت قبضة الرحمان، يسكن هذا الكون، وطعامه عظام الحيوانات التي ذكر اسم الله عليها، وطعام دوابه روث الحيوانات.
١٠- ينبغي أن نحارب الخرافة والأسطورة والدجل الذي يرتبط بالجن في أذهان الناس، ويكفينا ما ورد عنهم من طريق صحيح، ولا ينبغي التزيد في ذلك، فالقرآن تحدث كثيرا عن الإنس، وتحدث عن الجن بقدر يسير يكفينا، ويفيدنا أن معنا في هذا الكون عوالم أخرى، وأن معلوماتنا محدودة، وربما تطور العلم في المستقبل بأمور لم تكن في الحسبان، كما قال سبحانه : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق... ( فصلت : ٥٣ ).
١١- الجن لهم قدرة على التشكل والانطلاق إلى السماء، وقد ورد في صحيح البخاري أن الجن كانت ترص بعضها فوق أكتاف بعض، وكان آخر جني يستمع إلى أخبار السماء فيبلغها للكهان، فيكذب الكاهن مع هذا الخبر مائة كذبة، فلما أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم شدت الحراسة على السماء، ولم يستطيعوا التقاط أخبارها، فأخبرت الجن رئيسها، فقال لهم : ما ذلك إلا لأمر قد حدث في الأرض، انطلقوا في مشارقها ومغاربها حتى تعرفوا الخبر، فانطلقوا فسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما في صلاة الفجر يقرأ القرآن، فآمن به من استمع له، وقد نزلت سورة الجن في هذا المعنى، وفيها قوله تعالى : قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد فآمنا به ولم نشرك بربنا أحدا . ( الجن : ١، ٢ ).
وقوله تعالى : وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا * وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا . ( الجن : ٨، ٩ ).
١٢- يؤخذ من إيمان الجن بالقرآن أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسله الله إلى الإنس والجن.
١٣- من العلماء من يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذهب إلى الجن ولم يكلمهم، وإنما استمعوا إليه في صلاة الفجر قائما يقرأ القرآن فآمنوا، ودعوا قومهم إلى الإيمان.
١٤- ومن العلماء من يستأنس بأحاديث نبوية، تفيد أن لقاء الجن بالرسول صلى الله عليه وسلم تم ست مرات، دعته الجن في إحداها إلى الذهاب إليهم، فظل قائما يدعوهم وقد تكاثروا على الاقتراب منه، واستأنسوا لذلك بقوله تعالى : وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا * قل إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحدا * قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا . ( الجن : ١٩-٢١ ).
١٥- سورة الجن مكملة لموضوع الجن في القرآن، وكذلك ما ورد في القرآن من معلومات عن الجن وأصلهم وعملهم، وحياتهم ومناهجهم، وعقلياتهم وطوائفهم.
١٦- في موضوع الآيات التي سنفسرها إن شاء الله توبيخ لأهل مكة، فهذا الكتاب العزيز آمن به الإنس والجن، وعجزتم عن الإصغاء إليه، وفيها تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت أن إيمان الجن تم بعد رحلته صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وكان دعاؤه في الطائف ينبع من شغاف قلبه، حيث قال :( اللهم أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس يا رب العالمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى عدو يتجهمني، أو بعيد ملكته أمري، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي سخطك، أو يحل علي غضبك، لك العتبى حتى ترضى، عافيتك هي أوسع لي، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ).
وبعد هذا الدعاء نزل ملك الجبال، وقال : يا محمد، إن ربك أمرني أن أطيعك في قومك، بسبب ما فعلوه بك، فإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فعلت، فقال صلى الله عليه وسلم :( لا تفعل إني لأرجو أن يخرج من ظهورهم من يعبد الله، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ). ونلحظ أن تكذيب أهل مكة قد اشتد قبل الهجرة، وكذلك تكذيب أهل الطائف، وقد كان إيمان الجن بالرسول صلى الله عليه وسلم بعد عودته من رحلة الطائف مواساة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما كان الإسراء والمعراج لإطلاعه على إيمان الملأ الأعلى به، كما قال سبحانه : فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون . ( فصلت : ٣٨ ).
المفردات :
صرفنا : وجهنا.
النفر : ما بين الثلاثة والعشرة من الرجال.
فلما قضي : فرغ من تلاوته.
منذرين : مخوفين من عذاب الله ومن عواقب الضلال.
التفسير :
٢٩- وإذ صرفنا إليك نفر من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولّوا إلى قومهم منذرين .
واذكر لقومك ولنفسك حين وجهنا إليك مجموعة دون العشرة يستمعون القرآن الكريم، وكان ذلك بوادي نخلة عند منصرفه صلى الله عليه وسلم من الطائف، يقرأ القرآن في تهجده أو في صلاة الفجر.
فلما حضروه قالوا أنصتوا…
عندما حضروا تلاوة القرآن تواصوا بالإنصات والتفرغ التام، وحشد الذهن لاستماع القرآن وتأمله.
فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين .
فلما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من تلاوة القرآن، رجعوا إلى قومهم منذرين لهم من الكفر، مرغبين لهم في الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن الكريم.
وتفيد الروايات أن الجن استمعت للقرآن، وانصرفت في هذه الليلة دون مقابلة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إنهم وفدوا عليه جماعات جماعات، وتم لقاء الجن بالنبي صلى الله عليه وسلم ست مرات، في بعضها انصرفوا، وفي بعضها دعوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى زيارتهم في مكان حددوه له، وذهب بعض المفسرين إلى أن الجن كان لهم منذرون فقط، وقال قوم : كانت للجن رسل منهم، وانظر تفسير هذه الآية في الكشاف للزمخشري.
إيمان الجن بالقرآن
وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ( ٢٩ ) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ( ٣٠ ) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ( ٣١ ) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ( ٣٢ )
تمهيد :
هذه آيات تفيد أن الجن استمعت إلى القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم، فانصرف نفر منهم إلى قومهم يحثونهم على الإيمان، ويحذرونهم من الكفر، وتفيد الأحاديث النبوية الشريفة أن حضور الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تكرر.
كما يفيد القرآن والسنة بمعلومات عن الجن، منها ما يأتي :
١- هناك في هذا الكون عوالم متعددة، ومعلومات كثيرة، ومنها عالم الملائكة، وعالم الجن.
٢- الجن عالم له تجمعات وقبائل : إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم... ( الأعراف : ٢٧ ).
أي أن الجن لهم قدرة على التشكل والتكيف والحياة في هذه الدنيا، وهم يرون الإنسان ولا يراهم الإنسان.
٣- سخر الله الجن لسليمان عليه السلام : يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات... ( سبأ : ١٣ ).
٤- الجن فريقان : طائع مهتد مستمع القرآن، مستخدم عقله في استجلاب أسباب الهداية، وعاص ضال.
٥- مكن الله سليمان من تسخير العصاة من الجن، وحبسهم وتقييدهم في السلاسل.
قال تعالى : وآخرين مقرنين في الأصفاد . ( ص : ٣٨ ).
كما سخر الله له الجن الطائعين. قال تعالى : ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه... ( سبأ : ١٢ ).
٦- الجن خلقت من النار، والملائكة من النور، والإنسان مخلوق من تراب، خلط بالماء فصار طينا، ثم ترك الطين فترة حتى صار حمأ مسنونا كالفخار.
٧- الجن مدعوون إلى الإيمان، ومحذرون من الكفر والجور والظلم والعدوان.
قال تعالى : وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا . ( الجن : ١١ ).
وقال سبحانه : وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آَمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا ( ١٣ ) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ( ١٤ ) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ( ١٥ ) وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ( ١٦ ) ( الجن : ١٣-١٦ ).
وقال سبحانه : يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ . ( الأنعام : ١٣٠ ).
٨- من أطاع من الجن فله الثواب، ومن عصى فعليه العقاب.
٩- الجن عالم تحت قبضة الرحمان، يسكن هذا الكون، وطعامه عظام الحيوانات التي ذكر اسم الله عليها، وطعام دوابه روث الحيوانات.
١٠- ينبغي أن نحارب الخرافة والأسطورة والدجل الذي يرتبط بالجن في أذهان الناس، ويكفينا ما ورد عنهم من طريق صحيح، ولا ينبغي التزيد في ذلك، فالقرآن تحدث كثيرا عن الإنس، وتحدث عن الجن بقدر يسير يكفينا، ويفيدنا أن معنا في هذا الكون عوالم أخرى، وأن معلوماتنا محدودة، وربما تطور العلم في المستقبل بأمور لم تكن في الحسبان، كما قال سبحانه : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق... ( فصلت : ٥٣ ).
١١- الجن لهم قدرة على التشكل والانطلاق إلى السماء، وقد ورد في صحيح البخاري أن الجن كانت ترص بعضها فوق أكتاف بعض، وكان آخر جني يستمع إلى أخبار السماء فيبلغها للكهان، فيكذب الكاهن مع هذا الخبر مائة كذبة، فلما أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم شدت الحراسة على السماء، ولم يستطيعوا التقاط أخبارها، فأخبرت الجن رئيسها، فقال لهم : ما ذلك إلا لأمر قد حدث في الأرض، انطلقوا في مشارقها ومغاربها حتى تعرفوا الخبر، فانطلقوا فسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما في صلاة الفجر يقرأ القرآن، فآمن به من استمع له، وقد نزلت سورة الجن في هذا المعنى، وفيها قوله تعالى : قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد فآمنا به ولم نشرك بربنا أحدا . ( الجن : ١، ٢ ).
وقوله تعالى : وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا * وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا . ( الجن : ٨، ٩ ).
١٢- يؤخذ من إيمان الجن بالقرآن أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسله الله إلى الإنس والجن.
١٣- من العلماء من يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذهب إلى الجن ولم يكلمهم، وإنما استمعوا إليه في صلاة الفجر قائما يقرأ القرآن فآمنوا، ودعوا قومهم إلى الإيمان.
١٤- ومن العلماء من يستأنس بأحاديث نبوية، تفيد أن لقاء الجن بالرسول صلى الله عليه وسلم تم ست مرات، دعته الجن في إحداها إلى الذهاب إليهم، فظل قائما يدعوهم وقد تكاثروا على الاقتراب منه، واستأنسوا لذلك بقوله تعالى : وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا * قل إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحدا * قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا . ( الجن : ١٩-٢١ ).
١٥- سورة الجن مكملة لموضوع الجن في القرآن، وكذلك ما ورد في القرآن من معلومات عن الجن وأصلهم وعملهم، وحياتهم ومناهجهم، وعقلياتهم وطوائفهم.
١٦- في موضوع الآيات التي سنفسرها إن شاء الله توبيخ لأهل مكة، فهذا الكتاب العزيز آمن به الإنس والجن، وعجزتم عن الإصغاء إليه، وفيها تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت أن إيمان الجن تم بعد رحلته صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وكان دعاؤه في الطائف ينبع من شغاف قلبه، حيث قال :( اللهم أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس يا رب العالمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى عدو يتجهمني، أو بعيد ملكته أمري، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي سخطك، أو يحل علي غضبك، لك العتبى حتى ترضى، عافيتك هي أوسع لي، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ).
وبعد هذا الدعاء نزل ملك الجبال، وقال : يا محمد، إن ربك أمرني أن أطيعك في قومك، بسبب ما فعلوه بك، فإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فعلت، فقال صلى الله عليه وسلم :( لا تفعل إني لأرجو أن يخرج من ظهورهم من يعبد الله، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ). ونلحظ أن تكذيب أهل مكة قد اشتد قبل الهجرة، وكذلك تكذيب أهل الطائف، وقد كان إيمان الجن بالرسول صلى الله عليه وسلم بعد عودته من رحلة الطائف مواساة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما كان الإسراء والمعراج لإطلاعه على إيمان الملأ الأعلى به، كما قال سبحانه : فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون . ( فصلت : ٣٨ ).
تفسير القرآن الكريم
شحاته