منقوطة من فوق مضمومة «مساكنهم» رفعا، ورويت عن ابن عامر، وهذا نحو قول ذي الرمة: [البسيط]
| كأنه جمل وهم وما بقيت | إلا النجيزة والألواح والعصب |
ثم خاطب تعالى قريشا على جهة الموعظة بقوله: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ ف (ما)، بمعنى الذي، وإِنْ نافية وقعت مكان (ما) ليختلف اللفظ، ولا تتصل (ما) ب (ما)، لأن الكلام كأنه قال: في الذي ما مكناكم فيه. ومعنى الآية: ولقد أعطيناهم من القوة والغنى والبسيط في الأموال والأجسام ما لم نعطكم، ونالهم بسبب كفرهم هذا العذاب، فأنتم أحرى بذلك إذا كفرتم. وقالت فرقة: إِنْ شرطية، والجواب محذوف تقديره: في الذي إن مكناكم فيه طغيتم، وهذا تنطع في التأويل.
ثم عدد تعالى عليهم نعم الحواس والإدراك، وأخبر أنها لم تغن حين لم تستعمل على ما يجب.
و «ما» : نافية في قوله: فَما أَغْنى عَنْهُمْ ويقوي ذلك دخول مِنْ في قوله: مِنْ شَيْءٍ.
وقالت فرقة: «ما» في قوله: فَما أَغْنى عَنْهُمْ استفهام بمعنى التقرير، ومِنْ شَيْءٍ على هذا تأكيد، وهذا على غير مذهب سيبويه في دخول من في الواجب. وَحاقَ معناه: وجب ولزم، وهو مستعمل في المكاره، والمعنى جزاء ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ.
قوله عز وجل:
[سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٢٧ الى ٢٩]
وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨) وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)
وقوله: وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مخاطبة لقريش على جهة التمثيل لهم بمأرب وسدوم وحجر ثمود. وقوله: وَصَرَّفْنَا الْآياتِ يعني لهذه القرى المهلكة.
وقوله: فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الآية يعني هلا نصرتهم أصنامهم التي اتخذوها. و: قُرْباناً إما أن يكون المفعول الثاني ب اتَّخَذُوا و: آلِهَةً بدل منه، وإما أن يكون حالا. و: آلِهَةً المفعول الثاني، والمفعول الأول هو الضمير العائد على: الَّذِينَ التقدير: اتخذوهم. وقوله تعالى: بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ صفحة رقم 103
معناه: انتلفوا لهم حتى لم يجدوهم في وقت حاجة.
وقوله: وَذلِكَ الإشارة به تختلف بحسب اختلاف القراءات في قوله: إِفْكُهُمْ فقرأ جمهور القراء «إفكهم» بكسر الهمزة وسكون الفاء وضم الكاف، فالإشارة ب ذلِكَ على هذه القراءة إلى قولهم في الأصنام إنها آلهة، وذلك هو اتخاذهم إياها، وكذلك هي الإشارة في قراءة من قرأ: «أفكهم» بفتح الهمزة، وهي لغة في الإفك، وهما بمعنى الكذب، وكذلك هي الإشارة في قراءة من قرأ: «أفكهم» بفتح الهمزة: والفاء على الفعل الماضي، بمعنى صرفهم، وهي قراءة ابن عباس وأبي عياض وعكرمة وحنظلة بن النعمان. وقرأ أبو عياض أيضا وعكرمة فيما حكى الثعلبي: «أفّكهم» بشد الفاء وفتح الهمزة والكاف، وذلك على تعدية الفعل بالتضعيف. وقرأ عبد الله بن الزبير: «آفكهم» بالمد وفتح الفاء والكاف على التعدية بالهمزة. قال الزجاج: معناه جعلهم يأفكون كما يقال أكفرهم. وقرأ ابن عباس فيما روى قطرب: «آفكهم» بفتح الهمزة والمد وكسر الفاء وضم الكاف على وزن فاعل، بمعنى: صارفهم.
وحكى الفراء أنه يقرأ: «أفكهم» بفتح الهمزة والفاء وضم الكاف، وهي لغة في الإفك، والإشارة ب ذلِكَ على هذه القراءة التي ليست مصدرا يحتمل أن تكون إلى الأصنام. وقوله: وَما كانُوا يَفْتَرُونَ، ويحتمل أن تكون ما مصدرية فلا يحتاج إلى عائد، ويحتمل أن تكون بمعنى الذي، فهناك عائد محذوف تقديره: يفترونه.
وقوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ ابتداء قصة الجن ووفادتهم على النبي صلى الله عليه وسلم. و: صَرَفْنا معناه: رددناهم عن حال ما، يحتمل أنها الاستماع في السماء، ويحتمل أن يكون كفرهم قبل الوفادة وهذا بحسب الاختلاف هنا هل هم الوفد أو المتجسسون، وروي أن الجن كانت قبل مبعث النبي عليه السلام تسترق السمع من السماء، فلما بعث محمد عليه السلام حرست بالشهب الراجمة، فضاقت الجن ذرعا بذلك، فاجتمعت وأتى رأي ملئهم على الافتراق في أقطار الأرض وطلب السبب الموجب لهذا الرجم والمنع من استراق السمع ففعلوا ذلك. واختلف الرواة بعد فقالت فرقة:
جاءت طائفة من الجن إلى النبي عليه السلام وهو لا يشعر، فسمعوا القرآن وولوا إلى قومهم منذرين، ولم يعرف النبي بشيء من ذلك حتى عرفه الله بذلك كله، وكان سماعهم لقرآنه وهو بنخلة عند سوق عكاظ، وهو يقرأ في صلاة الفجر. وقالت فرقة: بل أشعره الله بوفادة الجن عليه واستعد لذلك، ووفد عليه أهل نصيبين منهم.
قال القاضي أبو محمد: والتحرير في هذا أن النبي ﷺ جاءه جن دون أن يعرف بهم، وهم المتفرقون من أجل الرجم، وهذا هو قوله تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ [الجن: ١] ثم بعد ذلك وفد عليه وفد، وهو المذكور صرفه في هذه الآية. قال قتادة: صرفوا إليه من نينوى، أشعر به قبل وروده.
وقال الحسن: لم يشعر.
واختلف في عددهم اختلافا متباعدا فاختصرته لعدم الصحة في ذلك، أما أن ابن عباس رضي الله عنه قال: كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين وقال زر كانوا تسعة: فيهم زوبعة، وروي في ذلك أحاديث عن
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي
عبد السلام عبد الشافي محمد