ﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈ

قوله تعالى : فاصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم مِنَ الرسل الفاء في قوله «فَاصْبِر » عاطفة هذه الجملة على ما تقدم(١)، والسببية(٢) فيها ظاهرة. واعلم أنه تعالى لما قرر المَطَالِبَ الثَّلاثَة وهي التوحيد والنبوة وأجاب عن الشبهات أردفه بما يجري مجرى الوعظ والنصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم وذلك لأن كانوا يؤذونه ويُوجِسُون(٣) صدره فقال تعالى : فاصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم أي أُولو الجِدِّ والصَّبْر والثَّبَات(٤) وقال ابن عباس ( رضي الله عنهما ) أولو الحَزْم(٥).
قوله : مِنَ الرسل يجوز أن تكون من تبعيضية، وعلى هذا فالرُّسُلُ أَولُو عَزْم وَغيرُ أُولِي عَزْمٍ. ويجوز أن يكون للبيان فكلهم على هذا أُولو عَزْم(٦). قال ابن زيد : كُلّ الرُّسُلِ كانوا أولى عزم ولم يبعث الله نبياً إلا كان ذَا عَزْم وحَزْمٍ، ورأي وكمال عقل. وإنما دخلت مِنْ للتَّجْنِيس(٧) لا للتبعيض كما يقال اشتريت ( أكسية )(٨) من الخَزِّ وأَرْدِيَةً من البزّ(٩). وقيل : الأنبياء كلهم أولو العزم إلا يُونُسَ لعجلة كانت منه، ألا ترى أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت [ القلم : ٤٨ ] وقيل هم نُجَبَاء الرسل، وهم المذكورون في سورة الأنعام، وهم ثَمَانِيَةَ عَشَرَ(١٠) لقوله بعد ذكرهم :«أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ فبهداهُم اقْتَدِهْ »(١١). وقال الكلبي : هم الذين أمروا بالجهاد، وأظهروا المكاشفة مع أعداء الدين(١٢) وقيل : هم ستة : نوحٌ وهودٌ، وصالحٌ، ولوطُ، وشعيبٌ، ومُوسَى، وهم المذكورون على النَّسقِ في سورة الأعْراف والشُّعَرَاءِ
وقال مقاتل : هم ستة، نوح صبر على أذى قومه، كانوا يضربونه حتى يُغْشَى عَلَيْه، وإبراهيم صَبَرَ على النار وذبْح الوَلَد، وإسحاق صبر على الذبح، ويعقوب، صبر على فَقْد ولده، وذَهَابِ بصره، ويوسفُ صبر في الجُبِّ والسِّجْن، وأيوبُ صبر على الضُرِّ.
وقال ابن عباس وقتادة : هم نوح، وإبراهيم، وموسى وعيسى أصحاب الشرائع، فهم مع مُحَمَّد خمسة. وقال البغوي : ذكرهم الله على التخصيص في قوله : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وموسى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ [ الأحزاب : ٧ ] وفي قوله : شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً [ الشورى : ١٣ ] الآية(١٣) روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة : يا عائشةُ إن الله لم يرض لأولي العزم إلا بالصّبر على مكروهها، والصبر على محبوبها لم يرضَ إلا أن كلفني ما كلفهم قال : فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ، وإني والله لا بدّ لي من طاعة، والله لأصبرنَّ كما صَبَرُوا وأَجْهَدَنَّ ولا قوة إلا بالله.
قوله : وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ العذاب فإنه نازل بهم. قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم ضجر من قومه بعضَ الضَّجَر، وأحبَّ أن ينزل الله العذاب بمن(١٤) أبى من قومه، فأمر بالصبر، وترك الاستعجال. ثم أخبر أن ذلك العذاب إذ أنزل بهم يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا حتى يحسبونها ساعة من نهار فقال : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ من العذاب لَمْ يلبثوا إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ إذا عاينوا العذاب صار طُول لَبْثهِمْ في الدنيا والبْرزَخ كأنه ساعةٌ من النهار، أو كان لم يكن لهول ما عاينوا، لأن ما مضى وإن كان طويلاً صار كأنه لم يكن، قال الشاعر :

٤٤٦١ كَأَنَّ شَيْئاً لَمْ يَكُنْ إذَا مَضَى كَأَنَّ شَيْئاً لَمْ يَكُنْ إذَا أَتَى(١٥)
واعلم أنه تم الكلام ههنا.
قوله :«بلاغ » العامة على رفعه. وفيه وجْهَان :
أحدهما : أنه خبر مبتدأ محذوف، فقدره بعضهم : تلكَ الساعةُ بلاغٌ، لدلالة قوله : إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ (١٦). وقيل : تقديره هذا أي القرآن والشرع بلاغٌ من الله إليكم(١٧).
والثاني : أنه مبتدأ والخبر قله «لَهُمْ » الواقع بعد قوله وَلاَ تَسْتَعْجِل أي لهم بلاغ فيوقف على «ولا تستعجل ». وهو ضعيف جداً، للفصل بالجملة التشبيهية، ولأن الظاهر تَعَلُّق «لهم » بالاسْتِعْجَالِ فهو يشبه الهيئة والقطع(١٨).
وقرأ زيد بن علي والحسن وعيسى «بلاغاً »(١٩) نصباً على المصدر أي بلِّغ بلاغاً. ويؤيده قراءة ابن مِجْلَزِ «بَلِّغْ » أمراً(٢٠). وقرأ أيضاً «بَلَّغَ » فعلاً ماضياً(٢١). ويؤخذ من كلام مَكِّيٍّ أنه يجوز نصبه نعتاً «لِسَاعَةِ » فإنه قال :«ولو قرئ بلاغاً بالنصب على المصدر، أو على النعت لساعة جاز »(٢٢). وكأنه لو لم يطلع على ذلك قراءة. وقرأ الحسن أيضاً : بَلاَغٍ بالجر(٢٣)، ويُخَرِّج على الوصف ل «نَهَار » على حذف مضاف أي من نهارٍ ذي بلاغ(٢٤)، أو وصف الزمان بالبلاغ مبالغةً. والبلاغ بمعنى التَّبلْيغ.
قوله :«فهل يهلك » العام على بنائه للمفعول. وابن محيصن يَهْلِكُ بفتح الياء وكسر اللام مبنياً للفاعل(٢٥). وعنه أيضاً(٢٦) فتح اللام وهي لغةٌ والماضي هَلِكَ، بالكسر(٢٧). قال ابن جني(٢٨) :«كُلٌّ مَرْغُوبٌ عَنْهَا ». وزيد بن ثابت : بضم الياء وكسر اللام، فالفاعل هو الله تعالى. القوم الفاسقون (٢٩). نصباً على المفعول به. وقرئ :«تَهْلِكُ » بالنون وكسر اللام ونصب «الْقَوْم »(٣٠).

فصل


المعنى فهل يهلك بالعذاب إذا نزل إلاّ القَوْم الفاسقون الخارجون عن أمر الله(٣١) قال الزجاج : تأويله لا يَهْلِكُ مع رحمة الله وفضْلِهِ إلاَّ القَوْم الفاسقون(٣٢)، ولهذا قال قومٌ : مَا فِي الرَّجَاءِ لِرَحْمَةِ الله أقْوَى مِنْ هذه الآية(٣٣).
١ من أخبار الكفار في الآخرة والمعنى بينهما مرتبط أي هذه حالهم مع الله فلا تستعجل أنت واصبر ولا تخف إلا الله. وهو قول أبي حيان في البحر المرجع السابق..
٢ وهذا لايمنع كونها عاطفة فالسببية أكثر من العاطفة..
٣ في ب ويوحشون..
٤ انظر الرازي ٢٨/٣٥..
٥ القرطبي ١٦/٢٢٠..
٦ قاله الزمخشري في الكشاف ٣/٥٢٨ وأبو حيان في البحر ٨/٦٨..
٧ في ب للجنس..
٨ زيادة على النسختين لازمة..
٩ نسب هذا الرأي القرطبي في الجامع لابن عباس..
١٠ الآية ٩٠ منها..
١١ القرطبي السابق..
١٢ القرطبي السابق أيضا وقد ذكر رحمة الله عليه كثيرا من الآراء في تفسيره العظيم انظر الجامع ١٦/٢٢٠ و٢٢١..
١٣ انظر معالم التنزيل له ٦/٤٧..
١٤ في ب ممن غير مراد..
١٥ في الرازي: لم يزل وقد أتى به استئنافيا للمعنى المذكور أعلى وانظر الرازي ٢٨/٣٥ والبيت لم أعرف قائله وهو من بحر الرجز..
١٦ ذكره أبو حيان ولم يعينه انظر البحر ٨/٦٩..
١٧ انظر المرجع السابق وهو رأي الحسن فيما نقله القرطبي في الجامع ١٦/٢٢٢..
١٨ بالمعنى من البحر المحيط المرجع السابق..
١٩ ذكرها أبو الفتح في المحتسب وهي شاذة انظر المحتسب ٢/٢٦٨..
٢٠ المرجع السابق..
٢١ ذكرها ابن خالويه في المختصر ١٤٠ وذكر أنها عن أبي مجلز أيضا..
٢٢ قال: "لو نصب في الكلام على المصدر أو على النعت لساعة لجاز" مشكل إعراب القرآن ٣/٣٠٤..
٢٣ التبيان ١١٥٩ والبحر ٨/٦٩..
٢٤ المرجع السابق..
٢٥ المحتسب ٢/٢٦٨ وهي شاذة..
٢٦ قال في المحتسب: "وبعض الناس يقول: فهل يهلك"..
٢٧ كذا في البحر لأبي حيان وفي المحتسب أنها بفتح اللام..
٢٨ كذا في النسختين وفي المحتسب: وهي مرغوب عنها أي تلك القراءة الأخيرة وانظر المحتسب ٢/٢٦٨..
٢٩ البحر ٨/٦٩ ومختصر ابن خالويه ١٤٠..
٣٠ الكشاف ٣/٥٢٨ وكلها شواذ ولم يحدد من قرأ بها..
٣١ وهو رأي ابن عباس وغيره انظر القرطبي ١٦/٢٢٢..
٣٢ معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٤/٤٤٨..
٣٣ القرطبي المرجع السابق..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية