ﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈ

فاصبر يا محمد على أذى الكفار الفاء للسببية يعني إذا علمت أنهم يذوقون عذاب النار فاصبروه تهتم للانتقام كما صبر أي صبرا مثل أولوا العزم أي أولي الصبر والثبات والجد من الرسل قبلك فإنك من جملتهم. واختلفوا فيهم ؟ قال ابن زيد كل رسول كان صاحب عزم فإن الله لم يبعث نبيا إلا كان ذا عزم وحزم ورأي وكمال عقل ومن للتبيين، وقال بعضهم الأنبياء كلهم أولوا عزم إلا يونس بن متى لعجلة كانت منه ألا ترى أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم ولا تكن كصاحب الحوت (١) وقيل إلا يونس وإلا آدم لقوله تعالى : ولم نجد له عزما (٢) وقال قوم هم نجباء الرسل المذكورون في سورة الأنعام وهم ثمانية عشر إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونوح وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا. قال الله تعالى بعد ذكرهم أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده (٣) وقال الكلبي هم الذين أمروا بالجهاد وأظهروا المكاشفة مع أعداء الله وقيل هم ستة : نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى وهم المذكورون على النسق في سورة الأعراف والشعراء، وقال مقاتل هم ستة نوح صبر على أذى قومه وإبراهيم صبر على النار، وإسحاق صبر على الذبح، ويعقوب صبر على فقد ولده وذهب بصره، ويوسف صبر في البئر والسجن، وأيوب صبر على الضر، وقال ابن عباس وقتادة هم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وأصحاب الشرائع مع محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين خمسة، قال الشيخ محيي السنة البغوي ذكرهم الله على التخصيص في قوله : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم (٤) وفي قوله تعالى : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا، والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى (٥)، وقال الشيخ أحمد المجدد للألف الثاني رضي الله عنه هم ستة آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وسيد الرسل محمد صلى الله عليه وسلم أجمعين وسلم، أما الخمسة فلما ذكر من تخصيصهم للميثاق وكونهم أصحاب الشرائع ومن جاء خلفهم أيد شرائعهم وأما آدم فلا جرم يكون هو صاحب شريعة جديدة لكونه مقدما على غيره.
روى البغوي عن مسروق قال قالت لي عائشة قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد، يا عائشة إن الله لم يرض من أولي العزم إلا الصبر على مكروهها والصبر على محبوبها ولم يرض إلا أن كلفني ما كلفهم وقال فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل وإني والله ما بدا لي من طاعته وإني والله لأصبرن كما صبروا وأجهدن كما جهدوا ولا قوة إلا بالله ).
عن ابن مسعود قال :( كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون )(٦) متفق عليه، ولا تستعجل لهم أي لا تدع على كفار قريش بنزول العذاب عليهم فإنه نازل بهم في وقته لا محالة، كأنه ضجر وضاق قلبه بكثرة مخالفات قومه فأحب أن ينزل العذاب بمن أبى منهم فأمر بالصبر وترك الاستعجال ثم أخبر عن قرب العذاب فقال كأنهم يوم يرون ما يوعدون من العذاب في الآخرة لم يلبثوا في الدنيا زمانا إلا ساعة من نهار استقصروا من هوله مدة لبثهم في الدنيا حتى يحسبونها ساعة ولأن ما مضى وإن كان طويلا فهو إذا انقضى صار كأن لم يكن وجملة كأنهم واقع موقع التعليل لعدم الاستعجال في تعذيب الكفار ثم قال بلاغ أي هذا الذي وعظتم به أو هذه السورة أو هذا القرآن وما به من البيان بلاغ من الله إليكم أي كفاية أو تبليغ الرسول وتنكير البلاغ للتعظيم والتفخيم، وقيل بلاغ مبتدأ خبره لهم وما بينهما اعتراض أي لهم وقت يبلغون إليه كأنهم إذا بلغوه رأسا رأوا ما فيه استقصروا مدة عمرهم فهل يهلك الاستفهام للإنكار أي لا يهلك بالعذاب أحد إلا القوم الفاسقون الخارجون عن الاتعاظ أو الطاعة، قال الزجاج تأويله لا يهلك مع رحمة الله وفضله إلا القوم الفاسقون، ولهذا قال قوم ما في الرجاء لرحمة الله آية أقوى من هذه الآية.

١ سورة القلم، الآية: ٤٨..
٢ سورة طه، الآية: ١١٥..
٣ سورة الأنعام، الآية: ٩٠..
٤ سورة الأحزاب: الآية: ٧..
٥ سورة الشورى، الآية: ١٣..
٦ أخرجه البخاري في كتاب: أحاديث الأنبياء ٣٤٧٧، وأخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة أحد ١٧٩٢..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير