تفسير المفردات : أولو العزم : أي ذوو الحزم والصبر، قال مجاهد : هم خمسة نظمهم الشاعر في قوله :
أولو العزم نوح والخليل الممجد وموسى وعيسى والحبيب محمد
بلاغ : أي كفاية في الموعظة.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر في أول السورة ما يدل على وجود الإله القادر الحكيم، وأبطل قول عبدة الأصنام، ثم ثنى بإثبات النبوة وذكر شبهاتهم في الطعن فيها وأجاب عنها – أردف ذلك إثبات البعث وأقام الدليل عليه، فذكر أن من خلق السماوات والأرض على عظمهن فهو قادر على أن يحيي الموتى، ثم أعقب هذا بما يجري مجرى العظة والنصيحة لرسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر على أذى قومه كما صبر من قبله أولو العزم من الرسل، وبعدم استعجال العذاب لهم، فإنه نازل بهم لا محالة وإن تأخر، وحين نزوله بهم سيستقصرون مدة لبثهم في الدنيا حتى يحسبونها ساعة من نهار لهول ما عاينوا، ثم ختم السورة بأن في هذه العظات كفاية أيما كفاية، وما يهلك إلا من خرج عن طاعة ربه، ولم ينقد لأمره ونهيه.
الإيضاح : فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل أي فاصبر أيها الرسول على ما أصابك في الله من أذى مكذبيك من قومك الذين أرسلناك إليهم منذرا، كما صبر أولو العزم من الرسل على القيام بأمر الله والانتهاء إلى طاعته.
والخلاصة : اصبر على الدعوة إلى الحق ومكابدة الشدائد كما صبر إخوانك الرسل من قبلك.
وعن عائشة قالت : ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما ثم طوى، ظل صائما ثم طوى، ثم ظل صائما قال :{ يا عائشة : إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد، يا عائشة إن الله لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها، والصبر على محبوبها، ثم لم يرض مني إلا أن يكلفني ما كلفهم فقال :( اصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ) وإني والله لأصبرن كما صبروا جهدي ولا قوة إلا بالله )أخرجه ابن أبي حاتم والديلمي.
ولما أمره بالصبر، وهو أعلى الفضائل، نهاه عن العجلة وهي أخس الرذائل فقال :
ولا تستعجل لهم أي ولا تعجل بمسألة ربك العذاب لهم، فإنه نازل بهم لا محالة.
ونحو الآية قوله تعالى : وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا ( المزمل : ١١ ) وقوله : فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ( الطارق : ١٧ ).
ثم أخبر بأن العذاب إذا نزل بالكافرين استقصروا مدة لبثهم في الدنيا حتى يحسبونها ساعة من نهار فقال :
كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار أي كأنهم حين يرون عذاب الله الذي أوعدهم بأنه نازل بهم – لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار – لأن شدة ما ينزل بهم منه ينسيهم قدر ما مكثوا في الدنيا من السنين والأعوام، فيظنونها ساعة من نهار.
ونحو الآية قوله : كم لبثتم في الأرض عدد سنين( ١١٢ )قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين ( المؤمنون : ١١٢- ١١٣ )، وقوله : كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ( النازعات : ٣٦ ).
بلاغ أي هذا القرآن بلاغ لهم، وكفاية إن فكروا واعتبروا، ودليله قوله تعالى : هذا بلاغ للناس ولينذروا به ( إبراهيم : ٥٢ )، وقوله : إن في هذا لبلاغ لقوم عابدين ( الأنبياء : ١٠٦ ).
ثم أوعد وأنذر فقال :
فهل يهلك إلا القوم الفاسقون أي وما يهلك بالعذاب إلا الخارجون عن طاعة الله، المخالفون لأمره ونهيه ؛ إذ لا يعذب إلا من يستحق العذاب.
قال قتادة : لا يهلك على الله إلا هالك مشرك، وهذه الآية أقوى آية في الرجاء ومن ثم قال الزجاج : تأويله لا يهلك مع رحمة الله وفضله إلا القوم الفاسقون، وهذا تطميع في سعة فضل الله سبحانه وتعالى.
أخرج الطبراني في الدعاء عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو :( اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، اللهم لا تدع لي ذنبا إلا غفرته ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا قضيتها برحمتك يا أرحم الراحمين ).
تفسير المراغي
المراغي