قل ما كنت بدعا من الرسل أي بديعا مثل نصف ونصيف يعني لست بأول الرسل أدعي ما لم يدعه أحد قبلي بل قد بعث قبلي كثير من الرسل فلم تنكرون نبوتي بعد شهادة المعجزة، أو لست أقدر على ما لم يقدر الرسل من قبلي وهو الإتيان بالمقترحات كلها وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ما إما موصولة منصوبة أو استفهامية مرفوعة ولا لتأكيد النفي المشتمل على ما يفعل بي والتقدير ما أدري ما يفعل بي، ولا ما يفعل بكم، قيل معناه ما أدري ما يفعل بي ولا بكم يوم القيامة، فلما نزلت هذه الآية فرح المشركون وقالوا واللات والعزى ما أمرنا وأمر محمد عند الله إلا واحد وماله علينا مزية وفضل ولولا أنه ابتدع ما يقول من ذات نفسه لأخبره الذي بعثه بما يفعل به فأنزل الله ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر (١) فقالت الصحابة هنيئا لك يا نبي الله قد علمنا ما يفعل بك وإذا ما يفعل بنا فأنزل الله ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات (٢) الآية وأنزل وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا { ٤٧ }(٣) فبين الله ما يفعل به وبهم، قال البغوي وهذا قول أنس وقتادة والحسن وعكرمة قالوا إنما قال هذا قبل أن يخبره بغفران ذنبه عام الحديبية فنسخ ذلك وهذا القول عندي غير مرضي إذ لا يخلو سورة من القرآن غالبا ( مكية كان أو مدنية ) من الوعد للمؤمنين والوعيد للكافرين، وكان من أول ما يوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنذر عشيرتك والأقربين (٤) يعني بعذاب الله إن لم يؤمنوا وفي هذه السورة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين . إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة الآية وكيف يكون عاقبة المسلمين والمشركين غير معلوم له صلى الله عليه وسلم مذكور في الكتاب فإنه يقتضي اعتراض الكافرين ما أمرنا وأمر محمد عند الله إلا واحد وما نرى لك علينا من فضل فأي فائدة في ترك دين الآباء وإتباع الرسل ونزول قوله تعالى : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر (٥) وقوله ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات (٦) بعد بضع عشر سنة تأخير للبيان عن وقت الحاجة وذلك محال، فإن قيل روى البغوي بسنده عن خارجه بن يزيد قال كانت أم العلاء الأنصارية تقول لما قدم المهاجرون اقترعت الأنصار على سكناهم فطار لنا عثمان بن مظعون رضي الله عنه في السكنى فمرض فمرضناه ثم إنه توفي فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت فقلت رحمة الله عليك أبا السائب شهادتي أن قد أكرمك الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( ما يدريك أن الله قد أكرمه ) قلت لا والله لا أدري، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما هو فقد أتاه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم، قالت فوالله لا أزكي بعد أحدا أبدا، قالت ثم رأيت لعثمان بعد في النوم عينا تجري فقصصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :( ذاك عمله )(٧) وهذا الحديث يؤيد قول من قال معناه ما أدري ما يفعل بي ولا بكم يوم القيامة وإلا فما معنى لهذا الحديث ؟ قلنا مقتضى هذا الحديث أنه لا يجوز الحكم قطعا على شخص معين بالنجاة أو بالهلاك لأنه إدعاء وعلم الغيب ولا علم على البواطن والسرائر إلا لله سبحانه غير أن الرجل إذا كان ظاهر حاله خيرا يرجو له الخير ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم " والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم " أنه قد علمني الله علوم الأولين والآخرين ومع ذلك ما أدري تفضيلا ما يفعل بي ولا بكم في جزاء كل عمل مخصوص فكيف دريت أنت في حق رجل معين أن الله قد أكرمه، وقيل مثل هذا التأويل في الآية أيضا قالوا معنى الآية ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدارين إذ لا علم لي بالغيب وهذا لا يقتضيه سياق الآية بل سياق الآية أن الكفار كانوا يريدون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتبعهم في الدين ويطمعونه بجمع الأموال له وإنكاح الأزواج بلا سوق مهر ويؤذونه ويخوفونه على ترك الإتباع فمقتضى سياق الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم بأنه لا يطمع منهم ولا يخافهم ويعلم أنهم غير قادرين على ما أرادوا بل الخير والشر كلاهما من الله تعالى يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد فمعنى الآية ما أدري ما يفعل بي ولا بكم من النصر والخذلان وآنا لا أتبعكم على شيء من التقادير.
إن أتبع إلا ما يوحى إلي من القرآن لا أتركه أبدا، قال البيضاوي جواب عن اقتراح الكفار الإخبار عما لم يوح إليه من الغيوب أو عن استعجال المسلمين أن يتخلصوا من أذى المشركين وبه قال البغوي، قال جماعة قوله ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا وأما في الآخرة فقد علم أنه في الجنة ومن كذبه فهو في النار. ثم اختلفوا فقال ابن عباس لما اشتد البلاء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرى النائم وهو بمكة أرض سبا ونخل رفعت له يهاجر إليها فقال له أصحابه متى تهاجر إليها فسكت فأنزل الله هذه الآية ما أدري ما يفعل بي ولا بكم أنزل في مكاني أو أخرج وإياكم إلى الأرض التي رفعت لي، وقال بعضهم معنى أدري ما يفعل بي ولا بكم أي إلى ماذا يصير أمري في الدنيا إما أن أخرج كما أخرجت الأنبياء من قبلي منهم إبراهيم عليه السلام أو أقتل كما قتل بعض الأنبياء من قبلي منهم يحيى عليه السلام، وأنتم أيها المصدقون تخرجون معي أو تتركون أم ماذا يفعل بكم، وما أدري ما يفعل بكم أيها المكذبون أترمون بالحجارة كما رمي قوم لوط أم يخسف بكم كما خسف بقارون أم أي شيء يفعل بكم مما فعل بالأمم المكذبة ثم أخبره الله عز وجل أن يظهر دينه على الأديان كلها فقال : هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله (٨) وقال في أمته : ما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (٩) فأخبره ما يصنع به وبأمته هذا قول السدي وما أنا إلا نذير للكافرين من عذاب الله مبين بين الإنذار بالشواهد المبينة والمعجزات المصدقة يعني لست مدعيا لعلم الغيب ولا مسلطا عليكم أكرههم على الإيمان.
٢ سورة الفتح، الآية: ٥..
٣ سورة الأحزاب، الآية: ٤٧..
٤ سورة الشعراء، الآية: ٢١٤..
٥ سورة الفتح، الآية: ٢..
٦ سورة الفتح، الآية: ٥..
٧ أخرجه البخاري في كتاب: التعبير، باب: العين الجارية في المنام ٧٠١٨..
٨ سورة التوبة، الآية: ٣٣..
٩ سورة الأنفال، الآية: ٣٣..
التفسير المظهري
المظهري