تفسير المفردات : البدع والبديع من كل شيء : المبتدع المحدث دون سابقة له.
المعنى الجملي : بعد أن تكلم في تقرير التوحيد ونفي الأضداد والأنداد – أعقب هذا بالكلام في النبوة، وبين أنه كلما تلا عليهم الرسول شيئا من القرآن قالوا : إنه سحر، بل زادوا في الشناعة وقالوا : إنه مفترى، فرد عليهم بأنه لو افتراه على الله فمن يمنعه من عقابه لو عاجله به ؟ وهو العليم بما تندفعون فيه من الطعن في نبوتي، ويشهد لي بالصدق والبلاغ، وعليكم بالكذب والجحود.
ثم أمر رسوله أن يقول لهم : إني لست بأول الرسل حتى تنكروا دعائي لكم إلى التوحيد، ونهيي لكم عن عبادة الأصنام، وما أدري ما يفعل بي في الدنيا ؟ أأموت أم أقتل كما قتل الأنبياء قبلي، ولا ما يفعل بكم، أترمون بالحجارة من السماء أم تخسف بكم الأرض، أم يفعل بكم غير ذلك مما عمل مع سائر المكذبين للرسل ؟وإني لا أعمل عملا ولا أقول قولا إلا بوحي من ربي، وما أنا إلا نذير، لا أستطيع أن آتي بالمعجزات والأخبار الغيبية، فالقادر على ذلك هو الله تعالى.
الإيضاح : قل ما كنت بدعا من الرسل أي قل لهم : لست بأول رسول بلغ عن ربه، بل قد جاءت رسل من قبلي، فما أنا بالفذ الذي لم يعهد له نظير حتى تستنكروني وتستبعدون رسالتي إليكم، وما أنا بالذي يستطيع أن يأتي بالمعجزات متى شاء، بل ذلك بإذنه تعالى وتحت قبضته وسلطانه، وليس لي من الأمر شيء، وإلى ذلك أشار بقوله :
وما أدري ما يفعل بي ولا بكم أي ولا أعلم ما يفعل بي في الدنيا، أأخرج من بلدي كما أخرجت أنبياء من قبلي، أم أقتل كما قتل منهم من قتل ؟ ولا ما يفعل بكم أيها المكذبون، أترمون بحجارة من السماء أم تخسف بكم الأرض ؟ كل هذا علمه عند ربي.
وفي صحيح البخاري وغيره من حديث أم العلاء أنها قالت : لما مات عثمان بن مظعون رضي الله عنه، قلت : رحمة الله عليك يا أبا السائب، لقد أكرمك الله تعالى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( وما يدريك أن الله أكرمه ؟ أما هو فقد جاءه باليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم، قالت أم العلاء فوالله ما أزكى بعده أبدا ).
وفي رواية الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس :( أنه لما مات قالت امرأته أو امرأة : هنيئا لك ابن مظعون الجنة، فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر مغضب وقال :( وما يدريك ؟ والله إني لرسول الله، وما أدري ما يفعل الله بي )، فقالت : يا رسول الله صاحبك وفارسك وأنت اعلم، فقال :( أرجو له رحمة ربه تعالى وأخاف عليه ذنبه ).
ومن هذا يعلم أن ما ينسب إلى بعض الأولياء من العلم بشؤون الغيب، فهو فرية على الله ورسوله، وكفى بما سلف ردا عليهم.
ثم أكد ما سلف وقرره بقوله :
إن أتبع إلا ما يوحى إلي أي ما أتبع إلا القرآن، ولا أبتدع شيئا من عندي. ثم زاد الأمر توكيدا فقال :
وما أنا إلا نذير مبين أي وما أنا إلا نذير، أنذركم عقاب الله، وأخوفكم عذابه، وآتيكم بالشواهد الواضحة على صدق رسالتي، ولست أقدر على شيء من الأعمال الخارجة عن قدرة البشر.
تفسير المراغي
المراغي