(قل ما كنت بدعاً من الرسل) البدع من كل شيء المبدأ أي ما أنا بأول رسول كذا قال ابن عباس يعني قد بعث الله قبلي كثيراً من الرسل، وقيل البدع بمعنى البديع كالخف والخفيف، والبديع ما لم ير له مثل من الابتداع وهو الاختراع، وشيء بدع بالكسر أي مبتدع. وفلان بدع في هذا الأمر أي بديع كذا قال الأخفش، وقرىء بدعاً بفتح الدال مصدراً على تقدير حذف مضاف، أي ما كنت ذا بدع قاله أبو البقاء. وقرىء بفتح الباء وكسر الدال على الوصف كحذر.
(وما أدري ما يفعل بي) فيما يستقبل من الزمان، هل أبقى في مكة؟
أو أخرج منها؟ وهل أموت أو أقتل كما فعل بالأنبياء قبلي؟ قرىء يفعل مبنياً للمفعول وللفاعل وما استفهامية كما جرى عليه المحلِّي، أو موصولة كما قال الزمخشري.
(ولا) أدري ما يفعل (بكم) يعني هل تعجل لكم العقوبة كالمكذبين قبلكم؟ أم تمهلون وهذا إنما هو في الدنيا وأما في الآخرة فقد علم أنه وأمته في الجنة، وأن الكافرين في النار، وقيل إن المعنى ما أدري ما يفعل بي ولا بكم يوم القيامة وأنها لما نزلت قدح المشركون، وقالوا: كيف نتبع نبياً لا يدري ما يفعل به ولا بنا؟ وأنه لا فضل له علينا، فنزل قوله تعالى: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)، والأول أولى.
قال ابن عباس رضي الله عنه: " فأنزل الله تعالى بعد هذا (ليغفر لك الله) الخ، وقوله: (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات) الآية فأعلم الله سبحانه نبيه ﷺ ما يفعل به وبالمؤمنين جميعاً وأرغم الله أنف الكفار وأخرج أبو داود في ناسخه أن هذه الآية منسوخة بقوله: (ليغفر لك الله) وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث أم العلاء قالت: " لما مات عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه قلت رحمك الله يا أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمه؟ أما هو فقد جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، وما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم. قالت أم العلاء: فوالله لا أزكي بعده أحداً ".
(إن أتبع إلا ما يوحى إلي) قرأ الجمهور مبنياً للمفعول أي ما أتبع إلا القرآن ولا أبتدع من عندي شيئاًً والمعنى قصر أفعاله ﷺ على الوحي، لاقصر اتباعه على الوحي (وما أنا إلا نذير مبين) أي أنذركم عقاب الله وأخوفكم عذابه على وجه الإيضاح.
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣)
صفحة رقم 16فتح البيان في مقاصد القرآن
أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي
عبد الله بن إبراهيم الأنصاري