ثم عرف بالجنة، التي تقدمت في قوله : عرفها لهم فقال :
مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُواْ مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ .
مثل : مبتدأ حُذف خبره، أي : صفة الجنة ما تسمعون، وقدَّره سيبويه : فيما يُتلى عليكم مثل الجنة، وقيل : المثل زائد، أي : الجنة فيها أنهار. . . الخ، و كمَن هو خالد : خبر لمحذوف، أي : أَمَن هو خالد في هذه الجنة، كمَن هو خالد في النار ؟
يقول الحق جلّ جلاله : مَثلُ الجنةِ أي : صفتها العجيبة، العظيمة الشأن التي وُعدَ المتقون الشركَ والمعاصي، هو ما نذكره لكم، فيها أنهار من ماء غيرِ آسنٍ غير متغير الطعم واللون والرائحة، يقال : أسن الماء : إذا تغير، سواء أنتن أم لا، فهو آسن وأسِن، وأنهار من لبن لم يتغيّر طعمُه كما تتغير ألبان الدنيا بالحموضة وغيرها، وانظر إذا تمنّاه كذلك مربّباً أو مضروباً. والظاهر : أنه يعطَاه كذلك، إذ فيها ما تشتهيه الأنفس. وأنهارٌ من خمرٍ لذةٍ للشاربين أي : لذيذة، ليس فيها كراهة طعم وريح، ولا غائلة سُكْرٍ، وإنما هي تلذُّذ محضٌ. و " لذة " : إما تأنيث " لذّ " بمعنى لذيذ، أو : مصدر نُعت به للمبالغة.
وأنهار من عسل مُصفى لم يخرج من بطون النحل فيخالطه شمع أو غيره، وفي حديث الترمذي :" إنَّ في الجنة بحرَ الماء، وبحرَ اللبن، وبحرَ العسل، وبحرَ الخمر، ثم تُشَقَّقُ الأنهارُ بعدُ " ١ قال : حسن صحيح. وعن كعب : نهر دجلة من نهر ماء الجنة، والفرات نهر من لبنها، والنيل من نهر خمرها، وسَيْحان من نهر عسلها، والكل يخرج من الكوثر٢. قلت : ولعل الثالثة لمّا خرجوا إلى الدنيا تغيّر حالُهم، ليبقى الإيمان بالغيب. والله تعالى أعلم.
قيل : بُدئ من هذه الأنهار بالماء ؛ لأنه لا يُستغنى عنه قط، ثم باللبن ؛ لأنه يجري مجرى المطعوم والمشروب في كثير من الأوقات، ثم بالخمر ؛ لأنه إذا حصل الريّ المطعومُ تشوقت النفسُ إلى ما يلتذ به، ثم بالعسل ؛ لأنه فيه الشفاء في الدنيا مما يعرض من المشروب والمطعوم ؛ فهو متأخر في الرتبة.
ولهم فيها مع ما ذكر من فنون الأنعام من كل الثمراتٍ أي : صنف من كل الثمرات. و لهم مغفِرةٌ عظيمة من ربهم أي : كائنة من ربهم، فهو متعلق بمحذوف، صفة لمغفرة، مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية، أي : مغفرة عظيمة من ربهم. وعبّر بعنوان المغفرة دون الرحمة ؛ إشعاراً بأن الميل إلى نعيم الأشباح نقص في الدارين يستوجب المغفرة.
أيكون هذا كمَن هو خالد في النار ؟ أو : مثل الجنة كمثل جزاء مَن هو خالد في النار ؟ وهو كلام في صورة الإثبات، ومعناه : النفي، لانطوائه تحت حكم كلام مصدّر بحرف الإنكار، ودخوله في حيّزه، وهو قوله : أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ [ محمد : ١٤ ]، وفائدة حذف حرف الإنكار، زيادةُ تصويرٍ لمكابرة مَن يسوّي بين المتمسك بالبيّنة والتابع لهواه، وأنه بمنزلة مَن يُثبت التسوية بين الجنة، التي يجري فيها تلك الأنهار، وبين النار، التي يُسقى أهلها الحميم الحار، المُشار إليه بقوله : وسُقوا ماءً حميماً حارّاً في النهاية، إذا دنا منهم شوى وجوههم، ووقعت فروة رؤوسهم فقَطَّع أمعاءهم مصارينهم، التي هي مكان تلك الأشربة.
نسأل الله العافية.
الإشارة : مثل جنة المعارف، التي وُعدها المتقون كلَّ ما يشغل عن الله، فيها أنهار من ماء علوم الحقيقة، غير متغير صفاؤها، ولا متكدرة أنوارُها، وأنهار من لبن علوم الشريعة المؤيَّدة بالكتاب والسنّة، لم تتغير حلاوة معاملتها، ولا لذة مناجاتها، وأنهار من خمرة الشهود، لذة للشاربين لها، تذهل حلاوتها العقول، وتفوتُ عن مداركِ النقول، وأنها من عسل حلاوة المكالمة والمسارَرة والمناجاة، صافيات الأوقات، محفوظة من المكدرات، ولهم فيه من طُرف الحِكَم وفواكه العلوم، ما لا تحصيه الطروس، ولا تدركه محافل الدروس.
قال القشيري :( مثل الجنة ) أي : صفتها كذا، وللأولياء اليوم، لهم شراب الوفاء، ثم شراب الصفاء، ثم شراب الولاء، ثم شراب في حال اللقاء، ولكل من هذه الأشربة عملٌ، ولصاحبه سُكرٌ وصحوٌ، فمَن تحسّى شراب الوفاء لم ينظر إلى أحد من الخلق في أيام غيبته عن إحساسه، وأنشدوا٣ :
| وَمَا سَرَّ صَدْرِي مُنْذُ شَطَّتْ بِكَ النَّوى | أنيس وَلاَ كَأْسٌ ولاَ مُتطرف |
قلت : أما شراب الوفاء ؛ فهو عَقد الإرادة مع الشيخ، أو عقد المحبة والخدمة مع الحق، فيجب الوفاء بكل منهما، وهو كشُرب العطشان من الماء العذب، وأما شراب الصفاء فهو صفاء العلم بالله، وهو كاللبن تتغذى به الأرواح في حال ترقيها إلى الحضرة، وأما شراب الولاء فهو شراب أهل التمكين من الولاية الكبرى، فيشربون من الخمرة الأزلية، فيسكرون، ثم يصحون، وفيها يقول الششتري رضي الله عنه :
| لا شراب الدوالِي، إنها أرضيه | خمرُها دُون خمري، خمرتي أزليه |
٢ في هامش النسخة الأم ما يلي: هذا من خرافات كعب، التي كثر بها القصاص والوعاظ مسائل العلم، بدون طائل ولا جدوى، والحديث الصحيح إنما فيه أنها من الجنة، فإما أن ذلك حقيقة على ظاهره، وإما أن يكون خرج مخرج التشبيه، كما هو قول طائفة..
٣ البيت لعبد الله بن أحمد بن مصروف في يتيمة الدهر للثعالبي ٣/١٠٨..
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي