واتباع هواه من غير أن يكون له شبهة يركن إليها تعاضد ما يدعيه، وتطمئن إليها نفسه فى الدفاع عما يدين به؟ كلّا هما لا يستويان.
ونحو الآية قوله: «أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى» وقوله: «لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ، أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ».
[سورة محمد (٤٧) : آية ١٥]
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥)
تفسير المفردات
مثل الجنة: أي صفتها، آسن: أي متغير الطعم والريح لطول مكثه، وفعله أسن (بالفتح من بابى ضرب ونصر، وبالكسر من باب علم) لذة تأنيث لذّ، وهو اللذيذ، مصفى: أي لم يخالطه الشمع ولا فضلات النحل ولم يمت فيه بعض نحله كعسل الدنيا، حميما: أي حارّا، والأمعاء: واحدها معى (بالفتح والكسر) وهو ما فى البطون من الحوايا.
المعنى الجملي
بعد أن بين سبحانه الفارق بين الفريقين فى الاهتداء والضلال- ذكر الفارق بينهما فى مرجعهما ومآلهما، فذكر ما للأولين من النعيم المقيم واللذات التي لا يدركها
الإحصاء، وما للآخرين من العذاب اللازب فى النار وشرب الماء الحارّ الذي يقطّع الأمعاء
الإيضاح
(مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) أي صفة الجنة التي وعدها الله من اتقى عقابه، فأدى فرائضه واجتنب نواهيه- ما ستسمعونه بعد.
ثم فسر هذه الصفة بقوله:
(١) (فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ) أي فيها أنهار جارية من مياه غير متغيرة الطعم والريح، لطول مكثها وركودها.
(٢) (وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ) أي لم يحمض ولم يصر قارصا ولا حازرا كألبان الدنيا، وتغير الريح لا يفارق تغير الطعم.
(٣) (وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) أي وفيها أنهار من خمر لذيذة لهم، إذ لم تدنسها الأرجل، ولم ترنّقها (تكدرها) الأيدى كخمر الدنيا، وليس فيها كراهة طعم وريح، ولا غائلة سكر وخمار كخمور الدنيا، فلا يتكرّهها الشاربون.
(٤) (وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى) أي وفيها أنهار من عسل قد صفّى من القذى وما يكون فى عسل أهل الدنيا قبل التصفية من الشمع وفضالات النحل وغيرها.
وبدىء بالماء لأنه لا يستغنى عنه فى الدنيا، ثم باللبن لأنه يجرى مجرى المطعوم لكثير من العرب فى غالب أوقاتهم، ثم بالخمر لأنه إذا حصل الرىّ والشبع تشوفت النفس لما يستلذ به، ثم بالعسل لأن فيه الشفاء فى الدنيا مما يعرض من المشروب والمطعوم.
أخرج أحمد والترمذي وصححه وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي عن معاوية ابن حيدة قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «فى الجنة بحر اللبن، وبحر الماء، وبحر العسل، وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار منها بعد».
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي