ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞ

ولو نشاء لأريناكهم ودللناك عليهم بأمارات، حتى تعرفهم بأعينهم، معرفةً مزاحِمةً للرؤية. والالتفات لنون العظمة لإبراز العناية بالإرادة، وفي مسند أحمد، عن ابن مسعود : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال :" إن منكم منافقين، فمَن سميتُ فليقم، ثم قال : قم يا فلان، حتى سمّى ستة وثلاثين " ١ انظر الطيبي. فَلعَرفتَهم بسِيماهم بعلامتهم التي نَسِمُهم بها، وعن ابن عباس رضي الله عنه : ما خَفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من المنافقين ؛ كان يعرفهم بسيماهم، ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة من المنافقين، يشْكُرهم الناس ؛ فناموا، فأصبح على وجه كل واحد منهم مكتوب : هذا منافق " ٢ قال ابن زيد : قصد الله إظهارَهم، وأمرَهم أن يخرجوا من المسجد، فأبوا إلا أن يتمسّكوا بلا إله إلا الله، فحُقِنت دماءهم، ونَكحوا ونُكح منهم بها.
ولَتعرِفَنَّهم أي : والله لتعرفنهم في لحن القول أي : مجراه وأسلوبه وإمالته عن الاعتدال ؛ لما فيه من التذويق والتشديق، وقد كانت ألسنتهم حادة، وقلوبهم خاربة، كما قال تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ. . . [ البقرة : ٢٠٤ ] الآية، مَن في قلبه شيءٌ لا بد أن يظهر على لسانه، كما قيل :" ما كمَن فيك ظَهَرَ على فِيك ". وهذه الجُمل كلها داخِلة تحت " لَوْ " معلقةً بالمشيئة، واللحن يُطلق على وجهين : صواب وخطأ، فالفعل من الصواب : لَحِنَ يلْحَنُ لَحْناً، كفرِح، فهو لَحِنٌ، إذا فطنَ للشيء، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :" ولعل بعضَكم أن يكون ألحن بحجته من بعض " ٣ أي : لقُوتهِ على تصريف الكلام. والفعلُ من الخطأ : لَحَنَ يلحَنُ لحْناً، كجعل، فهو لاَحِنٌ إذا أخطأ، والأصل فيه : إزالة الكلام عن جهته، مأخوذ من : اللحن، وهو ضد الإعراب، وهو الذهاب عن الصواب في الكلام. والله يعلم أعمالَكم فيُجازيكم بحسب قصدكم ؛ إذا الأعمال بالنيات، وهذا وعد للمؤمنين، وإيذانٌ بأن حالهم بخلاف حال المنافقين، أو : يعلم جميع أعمال العباد، فيميزُ خيرَها من شرها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : إن الذين ارتدوا على أدبارهم أي : رَجعوا عن صحبة المشايخ، بعدما ظهر لهم أسرارُ خصوصيتهم ؛ الشيطانُ سوَّل لهم وأَمْلَى لهم، وتقدّم عن القشيري : أنه يتخلّف عنهم يوم القيامة، ولا يلحق بالمقربين، ولو يشفع فيه ألفُ عارف، بل من كمال المكر به أن يُلقي شَبَهَه في الآخرة على غيره، حتى يتوهم عارفوه من أهل المعرفة أنه هو، فلا يشفع أحد فيه ؛ لظنهم أنه معهم، فإذا ارتفعوا إلى عليين مُحيت صورته، ورُفع إلى مقام العامة، انظر معناه في آل عمران٤.
وقال هنا : الذي طلع فَجرُ قلبه وتلألأ نورُ التوحيد فيه، ثم ارتدّ قبل طلوع نهار إيمانه ؛ انكسفَ شمسُ يومه، وأظلم نهارُ عرفانه، ودَجا ليل شَكِّه، وغابت نجومُ عقله، فحدَّث عن ظلماتهم ولا حرج. هـ. ولاسيما إذا تحزّب مع العامة في الإذايَة، وقال للذين كرهوا ما نَزّل الله على أهل الخصوصية من الأسرار : سنُطيعكم في بعض الأمر من إذايتهم، والله يعلم أسرارهم، وباقي الوعيد الذي في الآية ربما يشملهم. وقوله تعالى : أم حسب الذين في قلوبهم مرض أي : عداوةٌ لأولياء الله أن لن يُخرج اللّهُ أضغانهم ؟ بل يُخرجها ويُظهر وبالها، ويفتضحون ولو بعد حين، وقوله تعالى : ولتعرفنهم في لحن القول في قوة الخطاب، ومفهوم الكلام ؛ لأن الأسِرَّة تدلُّ على السريرة، وما خامر القلوبَ فعلى الوجوه يلوحُ، وأنشدوا في المعنى :

لَستُ مَنْ لَيْس يَدْرِي مَا هوانٌ مِن كَرَامه إِنَّ لِلْحُبِّ وَلِلْبَغْضِ عَلَى الْوَجْهِ عَلاَمه
المؤمن ينظر بنور الفراسة، والعارفُ ينظر بعين التحقيق، والموحِّدُ ينظر بالله، ولا يستتر عليه شيء. هـ. من القشيري.

١ أخرجه أحمد في المسند ٥/٢٧٣، والطبراني في المعجم الكبير ١٧/٢٤٦..
٢ في هامش النسخة الأصلية ما يلي: هذا غريب جدا، بل باطل عن ابن عباس..
٣ أخرجه البخاري في الشهادات حديث ٢٦٨٠، ومسلم في الأقضية حديث ٤..

الإشارة : إن الذين ارتدوا على أدبارهم أي : رَجعوا عن صحبة المشايخ، بعدما ظهر لهم أسرارُ خصوصيتهم ؛ الشيطانُ سوَّل لهم وأَمْلَى لهم، وتقدّم عن القشيري : أنه يتخلّف عنهم يوم القيامة، ولا يلحق بالمقربين، ولو يشفع فيه ألفُ عارف، بل من كمال المكر به أن يُلقي شَبَهَه في الآخرة على غيره، حتى يتوهم عارفوه من أهل المعرفة أنه هو، فلا يشفع أحد فيه ؛ لظنهم أنه معهم، فإذا ارتفعوا إلى عليين مُحيت صورته، ورُفع إلى مقام العامة، انظر معناه في آل عمران٤.
وقال هنا : الذي طلع فَجرُ قلبه وتلألأ نورُ التوحيد فيه، ثم ارتدّ قبل طلوع نهار إيمانه ؛ انكسفَ شمسُ يومه، وأظلم نهارُ عرفانه، ودَجا ليل شَكِّه، وغابت نجومُ عقله، فحدَّث عن ظلماتهم ولا حرج. هـ. ولاسيما إذا تحزّب مع العامة في الإذايَة، وقال للذين كرهوا ما نَزّل الله على أهل الخصوصية من الأسرار : سنُطيعكم في بعض الأمر من إذايتهم، والله يعلم أسرارهم، وباقي الوعيد الذي في الآية ربما يشملهم. وقوله تعالى : أم حسب الذين في قلوبهم مرض أي : عداوةٌ لأولياء الله أن لن يُخرج اللّهُ أضغانهم ؟ بل يُخرجها ويُظهر وبالها، ويفتضحون ولو بعد حين، وقوله تعالى : ولتعرفنهم في لحن القول في قوة الخطاب، ومفهوم الكلام ؛ لأن الأسِرَّة تدلُّ على السريرة، وما خامر القلوبَ فعلى الوجوه يلوحُ، وأنشدوا في المعنى :
لَستُ مَنْ لَيْس يَدْرِي مَا هوانٌ مِن كَرَامه إِنَّ لِلْحُبِّ وَلِلْبَغْضِ عَلَى الْوَجْهِ عَلاَمه
المؤمن ينظر بنور الفراسة، والعارفُ ينظر بعين التحقيق، والموحِّدُ ينظر بالله، ولا يستتر عليه شيء. هـ. من القشيري.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير