قل للمخلَّفين من الأعراب وهم الذين تخلّفوا عن الحديبية : ستُدْعَوْن إِلى قومٍ أُولي بأسٍ شديدٍ يعني : بني حنيفة، قوم مسيلمة الكذاب، وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر رضي الله عنه، لأن المشركين وأهل الردة هم الذين لا يُقبل منهم إلا الإسلام أو السيف. واستُدل بالآية على حقيّة خلافة أبي بكر، وأخذها من القرآن بقوله : سَتُدعون فكان الداعي لهؤلاء الأعراب إلى قتال بني حنيفة، وكانوا أولي بأس شديد، هو أبو بكر، بلا خلاف، قاتلوهم ليُسلموا لا ليُعطوا الجزية بأمر الصدّيق، وقيل : هم فارس، والداعي لقتالهم " عمر "، فدلّت على صحة إمامته، وهو يدل على صحة إمامة أبي بكر. تُقاتلونهم أو يُسلمون أي : يكون أحد الأمرين، إما المقاتلة أو الإسلام، ومعنى " يُسلمون " على هذا التأويل : ينقادون ؛ لأن فارس مجوس، تُقبل منهم الجزية، فإِن تُطيعوا مَن دعاكم إلى قتالهم يُؤتكم اللّهُ أجراً حسناً هو الغنيمة في الدنيا، والجنة في الآخرة، وإِن تتولوا عن الدعوة، كما توليتم من قبل في الحديبية، يُعذبكم عذاباً أليماً لتضاعف جُرمكم. وقد تضمنت الآية إيجاب طاعة الأمراء بالوعد بالثواب عليها، والوعيد بالعقاب على التولي، وقد تقدّم في النساء١.
قال القشيري : قوله تعالى فإن تُطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً دلت الآية على أنه يجوز أن تكون للعبد بداية غير مُرْضية، ثم تتغير للصلاح، وأنشدوا :
قلت : وجه الاستدلال : أن طاعتهم كانت بعد التخلُّف والعصيان، فقُبلت منهم. إذا فَسَدَ الإنسانُ بعد صلاحه فَرَجِّ له بعد الفساد صلاحا
الإشارة : سيقول المخلِّفون عن السير بترك مجاهدة النفوس، التي بها يتحقق سير السائرين : ذرونا نتبعكم في السير إلى الله من غير مجاهدة ولا تجريد، يريدون أن يُبدلوا كلامَ الله، وهو قوله : وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [ العنكبوت : ٦٩ ]، فخصّ الهداية إلى الوصول بالمجاهدة، لا بالبقاء مع حظوظ النفوس، قل : لن تتبعونا في السير، ولو فعلتم ما فعلتم بلا مجاهدة، كذلك حكم الحكيم العليم، فإن قالوا : حسدتمونا، حيث لم تسيرونا على ما نحن عليه، فقد دلّ ذلك على جهلهم، وعدم فهمهم، قل للمخلفين على السير، بالبقاء مع حظوظهم : ستُدعون إلى مجاهدة قوم أُولي بأس شديد، وهو النفس، بتحميلها ما يثقل عليها، كالذل، والفقر، والهوى بمخالفته، والدنيا بالزهد فيها ورميها وراء الظهر، والناس بالفرار منهم جملة، إلا مَن يدلّ على الله، تقاتلوهم، أو يُسلمون، بأن ينقادوا لكم، ويصيروا طوع أيديكم، فإن تُطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً، وهو لذة الشهوة، ورؤية الملك الودود، عاجلاً وآجلاً، وإن تتولوا كما توليتم في زمان البطالة، وبقيتم مع هوى نفوسكم، يُعذِّبكم عذاباً أليماً، بغم الحجاب وسوء العقاب.
قال القشيري : قوله تعالى فإن تُطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً دلت الآية على أنه يجوز أن تكون للعبد بداية غير مُرْضية، ثم تتغير للصلاح، وأنشدوا :
| إذا فَسَدَ الإنسانُ بعد صلاحه | فَرَجِّ له بعد الفساد صلاحا |
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي