قَوْله تَعَالَى: وَعدكُم الله مَغَانِم كَثِيرَة تأخذونها قَالَ مُجَاهِد مَعْنَاهَا: الْغَنَائِم الَّتِي تُؤْخَذ من الْكفَّار إِلَى قيام السَّاعَة. وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: غَنَائِم فَارس وَالروم. وَقيل: فتح مَكَّة.
وَقَوله: فَعجل لكم هَذِه أَي: غَنَائِم خَيْبَر.
وَقَوله: وكف أَيدي النَّاس عَنْكُم فِي التَّفْسِير: أَن أَسد وغَطَفَان كَانُوا حلفاء يهود خَيْبَر، فَلَمَّا توجه رَسُول الله إِلَى خَيْبَر أَرَادَ أَسد وغَطَفَان أَن يُغيرُوا على الْمَدِينَة، فَألْقى الله الرعب فِي قُلُوبهم وَتَفَرَّقُوا. وَرُوِيَ أَن رَسُول الله مَال إِلَيْهِم لِيُقَاتل مَعَهم أَولا، فَهَرَبُوا وَتَفَرَّقُوا وخلوا أهل خَيْبَر، فَرجع رَسُول الله إِلَى خَيْبَر وَفتحهَا. وَيُقَال: كف أَيدي النَّاس عَنْكُم: جَمِيع الْمُشْركين، وَلم يكن فِي الْأُمَم أمة أذلّ وَأَقل من الْعَرَب فأعزهم الله بِالْإِسْلَامِ، وأغنمهم كنوز الْعَجم وَالروم، وأورثهم أَرضهم وديارهم وَأَمْوَالهمْ وَكَانَ أول مَا دخل الذل على الْعَجم حَرْب ذِي قار، وَهُوَ مَوضِع بعث كسْرَى بجُنُوده إِلَى بني شَيبَان لِيُقَاتِلُوا مَعَهم بِسَبَب قصَّة طَوِيلَة، فَقَاتلُوا بِذِي قار، وَجعل الْعَرَب شعارهم اسْم مُحَمَّد، قَالَ رئيسهم لَهُم: اجعلوا شِعَاركُمْ اسْم هَذَا الْقرشِي الَّذِي خرج يَدْعُو النَّاس إِلَى الله تَعَالَى، فَاقْتَتلُوا وَهزمَ الله الْمُشْركين، وَقتل أَكثر جنود كسْرَى، فَلَمَّا بلغ النَّبِي قَالَ: " الْيَوْم انتصفت الْعَرَب من الْعَجم، وَبِي نصروا، من ذَلِك الْوَقْت دخل الذل على الْعَجم وفني ملكهم.
ولتكون آيَة للْمُؤْمِنين وَيهْدِيكُمْ صراطا مُسْتَقِيمًا (٢٠) وَأُخْرَى لم تقدروا عَلَيْهَا قد احاط الله بهَا وَكَانَ الله على كل شَيْء قَدِيرًا (٢١) وَلَو قاتلكم الَّذين كفرُوا لولوا الأدبار ثمَّ لَا يَجدونَ وليا وَلَا نَصِيرًا (٢٢) سنة الله الَّتِي قد خلت من قبل وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كف أَيْديهم عَنْكُم وَأَيْدِيكُمْ عَنْهُم بِبَطن مَكَّة من بعد
وَقَوله: ولتكون آيَة للْمُؤْمِنين أَي: معْجزَة، وَالْآيَة فِي دَعْوَة رَسُول الله فتح خَيْبَر وَغَنَائِم الْعَجم وَالروم، وَتحقّق ذَلِك عَن قريب.
وَقَوله: وَيهْدِيكُمْ صراطا مُسْتَقِيمًا يؤديكم إِلَى رضَا الله تَعَالَى.
تفسير السمعاني
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي
ياسر بن إبراهيم