قوله : وَعَدَكُمُ الله مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا وهي الفتوح التي تفتح لهم إلى يوم القيامة وليس المغانم كل الثواب، بل الجنة قُدَّامهم، وإنما هي عاجلة عَجَّلَ بها لهم، ولهذا قال : فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه يعني خيبر وَكَفَّ أَيْدِيَ الناس عَنْكُمْ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قصد خَيْبَرَ وحَاصَرَ أهلها هَمَّ قبائلُ من أَسَدَ، وغَطَفَان، أن يُغِيرُوا على عِيَال المسلمين وذَرَارِيهِمْ بالمدينة فكف الله أيديهم بإلقاء الرعب في قلوبهم. وقيل : كف أيدي الناس عنكم يعني أهل مكة بالصلح، وليكون كفهم وسلامتكم آية للمؤمنين على صدقك، ويعلموا أن الله هو المتولِّي حياطتهم وحِرَاسَتَهُمْ في مشَهْدِهِمْ ومغيبهم١.
قوله :«وَلتَكُونَ » يجوز فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن يتعلق بفعل مقدر بعد تقديره : ولِتَكُونَ ( فعلك )٢ فعل ذلك.
الثاني : أنه معطوف على علة محذوفة تقديره : وَعَدَ فَعَجَّل وَكَفَّ لينتفعوا ولِيَكُونَ أو لتشكروا ولتكون٣.
الثالث : أن الواو مزيدة٤. والتعليل لما قبله أي وَكَفَّ لتكون٥.
قوله : وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً يثيبكم على الإسلام، ويزيدكم بَصيرَةً ويقيناً بصُلْح الحديبية وفتح خيبر، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية أقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المُحَرَّم، ثم خرج في سَنَةِ سَبع إلى خيبر. روى أنسُ بن مالك ( رَضِيَ اللهُ عَنْهُ )٦ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا بنا قوماً لم يكن بغير بنا حتى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ، فإن سمع أَذَاناً كفَّ عنهم، وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم، قال : فخرجنا إلى خَيْبَرَ، فانتهينا إليهم، فلما أصبح لم يسمع أذاناً ( ركب )٧ وركبتُ خلف أبِي طلحة، وإن قدمي لتمَسُّ قدم النبي صلى الله عليه وسلم قال : فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومَسَاحِيهم فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا محمد، والله محمد والخميس أي محمد والجيش، فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الله أكبر الله أكبر خَربتْ خَيْبَرُ، إنَّا إذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ٨. وروى٩ إياسُ بْنُ سَلَمَةَ قال حدثني أبي قال : خرجنا إلى خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فجعل عمي يَرْتَجِزُ بالقَوم :
٤٤٩٢ تَاللهِ لَوْلاَ اللهُ مَاأهْتَدَيْنَا. . .
وَلاَ تَصَدَّقْنَا وَلاَ صَلَّيْنضا. . .
وَنَحْنُ مِنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا. . .
فَثَبِّتِ الأَقَدْامَ إنْ لاَ قَيْنَا. . .
وَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا١٠. . .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مَنْ هَذَا ؟ فقال : أنا عامر، قال : غَفَر الله لك ربك. وما استغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان يَخُصُّه إلا استشهد.
قال : فنادى عمرُ بنُ الخَطَّاب رضي الله عنه وهُوَ على جمل له : يا نبيّ الله لولا مَتَّعْتَنَا بعامرٍ قال : فلما قدمنا خيبر خرج ملكهم مَرْحبُ يخطر بسيفه يقول :
| ٤٤٩٣ قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ | شَاكِي السِّلاَح يَطَلٌ مُجَرِّبُ |
فقال علي رضي الله عنه :
٤٤٩٤ أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهُ. . .
كَلَيْثِ غابَاتٍ كَرِيهِ المَنْظَرَه. . .
أَكِيلُكُمْ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ١٢. . .
قال : فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه.
( ومعنى أكيلكم بالسيف كيل السندرة أي أقتلكم قتلاً واسعاً ذريعاً. والسَّندرة مكيال واسع. قيل يحتمل أن يكون اتخذ من السندرة وهي شجرة يعمل منها النَّبْل، والقِسِيُّ، والسَّنْدرة أيضاً العجلة، والنون زائدة١٣. قال ابن الأثير١٤ : وذكرها الجَوْهَرِيُّ في هذا الباب ولم ينبه على زيادتها )١٥.
وروي فتح خيبر من طرق أُخَر في بعضها زيادات وفي بعضها نقصان عن بعض.
٢ زائدة من النسخة ب..
٣ قال بهذين الوجهين أبو حيان في مرجعه السابق. وانظر القرطبي ١٦/٢٧٩..
٤ عند الكوفيين فقط..
٥ المرجعين السابقين..
٦ زيادة من أ..
٧ كذلك زيادة من أ..
٨ انظر معالم التنزيل البغوي ٦/١٩٨ و١٩٩..
٩ انظر معالم التنزيل البغوي ٦/١٩٨ و١٩٩..
١٠ أرجاز لعبد الله بن رواحة، أو عامر بن الأكوع، أو كعب بن مالك، وهي في ابن يعيش ٣/١١٨ وطبقات الشافعية ١/٢٥٧ و٢٥٨ والهمع ٢/٤٣١ والأشموني ٤/٢٨ و٥٠ والمقتضب ٣/١٣ والمغني ٣٣٩، وشرح شواهده للسيوطي ٢٨٦ و٢٨٧ و٧٥٩ وفي المغني أيضا ٩٨ و٢٦٩ و٣١٧ ومجمع البيان ٩/١٨١ والسراج المنير ٤/٤٨..
١١ من الرجز أيضا لمرحب اليهودي وانظر سيرة ابن هشام، ومجمع البيان ٩/١٨١ والسراج المنير ٤/٤٨ وانظر هذا كله في البغوي ٦/١٩٨ و١٩٩..
١٢ أرجاز أيضا له وهي في ديوانه ١٣٧، وطبقات الشافعية ١/٢٥٥، والهمع ١/٨٦ ومجمع البيان ٩/١٨٢ والسراج ٤/٤٨ واللسان سندر ٢١١٦..
١٣ اللسان المرجع السابق..
١٤ تقدم التعريف به. وانظر الصحاح الجوهري س ن در..
١٥ ما بين القوسين كله سقط من ب..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود