ثم قال: وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً أي: وعوضهم من غنائم مكة غنائم خيبر بعقب رجوعهم من الحديبية سنة ست عند مالك، والفتح: فتح خيبر قاله قتادة وغيره وعليه أكثر المفسرين.
وقال بعضهم هو فتح الحديبية وذلك سلامة المؤمنين، ورجوعهم سالمين مأجورين /.
ثم قال: وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا (أي: وأثاب هؤلاء الذين بايعوا النبي ﷺ تحت الشجرة بما أكرمهم به من الرضا ورجوعهم سالمين)، وبغنائم كثيرة يأخذونها من أموال اليهود بخيبر.
وَكَان الله عَزِيزاً حَكِيماً أي: لم يزل ذا عزة في انتقامه من أعدائه، حكيماً في تدبيره خلقه.
قال: وَعَدَكُمُ الله مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه يعني: غنائم خيبر عجلها الله لأهل بيعة الرضوان بعد منصرفهم من الحديبية سنة ست.
وقيل أول سنة سبع، وهذه مخاطبة لأهل بيعة الرضوان (خاصة أنهم) سيغنمون مغانم كثيرة.
قال مجاهد: هي من لدن نزلت هذه الآية إلى اليوم.
وحكى ابن زيد عن أبيه: أنها مغانم خيبر.
ثم قال: فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه.
قال قتادة: هي غنائم خيبر عجلت، والمؤخرة كل غنيمة يغنم [المؤمنون] من ذلك الوقت إلى أن تقوم الساعة.
وقال ابن عباس: فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه هو الصلح الذي كان بين النبي ﷺ وقريش ودلَّ على ذلك قوله:
وَكَفَّ أَيْدِيَ الناس عَنْكُمْ أي: وكف أيدي المشركين عنكم أيها المؤمنون بالحديبية.
روي: " أن المشركين بعثوا عروة بن مسعود الثقفي إلى النبي ﷺ لما
أتاهم عام الحديبية فأكرم النبي عليه السلام إتيانه وأدناه فقال للنبي ﷺ: أتريد أن تقسم البيعة التي أعزها الله، هذه والله قريش لبست، لك جلود النسور وقلوب السباع تقسم بالله لا تدخل مكة أبداً. هذا خلق على الخيل في كراع الغميم وهذه العوذ المطانيل: يعني النساء التي لهن أطفال، تتعوذ بالله من إتيانك مكة، فقال النبي ﷺ: يا أبا سعود لم نأت لهذا، وإنما أتينا معتمرين نحل من عمرتنا وننحر هدينا، ونرجع إلى بلدنا، فاذهب إلى أخوانك وأعلمهم ذلك "، فرجع عروة إلى مكة فقال لهم: إني قد رأيت بختنصر في ملكه، ورأيت كسرى في ملكه ورأيت ملك اليمن، والله ما رأيت ملك قط مثل محمد في أصحابه، والله ما تقع منه شعرة إلا صدوها ولا نخامة إلا ابتلعوها والله ليملكن ما فوق رؤوسكم وما تحت أرجلكم، فابعثوا إليه من يقاضيه على ترك الحرب فيما بينكم وبينه، فبعثوا وقاضوه على أن يرجع ويعتمر في العام المقبل.
وقال قتادة: كف الله أيدي اليهود عن المدينة حين صار النبي ﷺ إلى
الحديبية وإلى خيبر وهو اختيار الطبري، لأن كف أيدي المشركين من أهل مكة عن المؤمنين قد ذكره الله بعد هذه الآية، فقال: وَهُوَ الذي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ [الفتح: ٢٤] فدل أن الكف الأول غير هذا، فهو كف أيدي اليهود عن المدينة في غيبة النبي ﷺ وأصحابه.
وروي عن ابن عباس والحسن في قوله: وَكَفَّ أَيْدِيَ الناس عَنْكُمْ قال: هو عيينة بن حصن الفزاري وقومه وعوف بن مالك النضري ومن معه جاءوا لينصروا أهل خيبر ورسول الله ﷺ محاصر لهم فألقى الله في قلوبهم الرعب وكفهم عن النبي ﷺ وأصحابه.
وقوله: وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ أي: ولتكون المغانم (آية للمؤمنين ودلالة) على صدق النبي ﷺ لأنه أخبرهم بما سيكون.
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي