– قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم... إلى قوله تعالى : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى :
ذكر ١ بعضهم لقوله تعالى : لا يسخر قوم من قوم سببا. فقال : إنها نزلت بسبب عكرمة بن أبي جهل وذلك أنه كان يمشي بالمدينة مسلما فقال له قوم : هذا ابن فرعون هذه الأمة. فعز ذلك عليه وشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ٢. ويسخر : معناه يستهزئ. فأمر الله تعالى في هذه الآية بترك الاستهزاء ودعا إلى مكارم الأخلاق، وكذلك ما بعدها من الآيات إنما هي أمر بمكارم الأخلاق ودعاء إلى حسن الأدب.
– قوله تعالى : ولا تلمزوا أنفسكم :
اللمز : الطعن على الرجل بذكر نقيصة فيه ونحو ذلك. وقد اختلف في الفرق بين اللمز والهمز. فقيل اللمز بالقول والإشارة ونحوه مما يفهمه الآخر، والهمز لا يكون إلا باللسان. وقيل اللمز ما كان في المشهد والهمز ما كان في المغيب وقيل عكس ذلك ٣.
وقوله تعالى : أنفسكم معناه لا يلمز بعضكم بعضا، فقد نهى تعالى في هذه الآية أن يعيب أحد أحدا. قال أبو الحسن : وأما من كان معينا بالفجور فتعييبه به جائز٤.
وقوله تعالى : ولا تنابزوا بالألقاب :
والتنابز التلقب، والنبز واللقب واحد. وهو ما يعرف به الإنسان من الأسماء التي يكره سماعها. وروي أن سبب هذه الآية أن بني سلمة كانوا قد حدث فيهم الألقاب فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا منهم فقال له : " يا فلان فقيل له إنه يغضب من هذا الاسم، ثم دعاه آخر كذلك، فنزلت الآية ٥. وليس من هذا تعليق أهل الحديث وغيرهم فيما بينهم : قال واصل الأحدب ٦ وقال سليمان الأعمش٧ : لأن ذلك مما تدعو الضرورة إليه وليس فيه قصد استخفاف وإنما المراد به تعرف الرجل. وقد قيل في الآية وفي سببها غير هذا. فقيل معنى قوله تعالى : ولا تنابزوا بالألقاب لا يقل أحد لأحد : يا يهودي، بعد إسلامه، ولا يا فاسق، بعد توبته ونحو هذا. وحكي في سببها أن كعب بن مالك وابن أبي حدرد٨ تلاحيا فقال له كعب : يا أعرابي، يريد أن يبعده عن الهجرة، فقال له الآخر : يا يهودي، يريد لمخالطة الأنصار اليهود في يثرب. فنزلت الآية. ففي سببها إذن قولان وفي معناها قولان ٩.
وقوله تعالى : بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان :
يحتمل أن يريد بئس الاسم الفسوق الذي تكتسبونه بعصيانكم لأمر الله وتنابزكم فيما بينكم بالألقاب، وذلك الاسم الفسوق لمعصيتكم بعد إيمانكم. ويحتمل أن يريد بئس ما يقوله الرجل لأخيه من : يا فاسق ونحوه. وقد استدل الرماني بهذه الآية لمذهب المعتزلة في أنه لا يجتمع الفسوق والإيمان، وهو استدلال ضعيف. بل ظاهر الآية على أنهما يجتمعان.
وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم :
لم يعم تعالى النهي عن جميع الظن لأن من الظن ما يكون خيرا وهو ظن الخير بالناس، وأما الذي نهى عنه فهو ظن الشر، وأكثر العلماء على أن الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز وأنه لا حرج في الظن القبيح بمن ظاهره قبيح.
٢ وقيل غير ذلك. راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٧٤، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٦/ ٣٢٤..
٣ راجع الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٦/ ٣٢٧..
٤ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٨٣..
٥ وقيل غير ذلك. راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٩٥، ولباب النقول ص ٧٢٦..
٦ واصل بن الأحدب: هو واصل بن حيان الأحدب الأسدي الكوفي. روى عن أبي وائل وشريح وعنه سعيد بن الجبير. توفي سنة ١٢٠هـ وقيل غير ذلك. انظر تهذيب التهذيب ١١/ ١٠٣..
٧ سليمان الأعمش: هو سليمان بن مهران الأسدي بالولاء، أبو محمد، الملقب بالأعمش. تابعي مشهور. كان رأسا في العلم والعمل الصالح. توفي سنة ١٤٨هـ/ ٧٦٥م. انظر طبقات ابن سعد ٦/ ٢٣٨..
٨ ابن أبي حدود: هو عبيد الله بن أبي حدود الأسلمي روى عن أبيه. قيل إن أباه له صحبة ويعد من أهل الحجاز. انظر الاستيعاب لابن عبد البر ٤/ ٤١..
٩ راجع أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٨٥ – ٢٨٧، أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٣٨٣، ٣٨٤، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٦/ ٣٢٧ – ٣٣١..
أحكام القرآن
ابن الفرس