ﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑ

ياأيُّها الذين ءامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ السخرية : الاستهزاء. وحكى أبو زيد : سخرت به، وضحكت به، وهزأت به. وقال الأخفش : سخرت منه وسخرت به، وضحكت منه وضحكت به، وهزأت منه وهزأت به، كل ذلك يقال، والاسم السخرية والسخرى، وقرئ بهما في : لّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً [ الزخرف : ٣٢ ]، ومعنى الآية : النهي للمؤمنين عن أن يستهزئ بعضهم ببعض، وعلل هذا النهي بقوله : عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ أي أن يكون المسخور بهم عند الله خيراً من الساخرين بهم، ولما كان لفظ قوم مختصاً بالرجال، لأنهم القوّم على النساء أفرد النساء بالذكر فقال : وَلاَ نِسَاء مّن نّسَاء أي ولا يسخر نساء من نساء عسى أَن يَكُنَّ المسخور بهن خَيْراً مّنْهُنَّ يعني : خيراً من الساخرات منهنّ، وقيل : أفرد النساء بالذكر لأن السخرية منهنّ أكثر وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ اللمز العيب، وقد مضى تحقيقه في سورة براءة عند قوله : وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات [ التوبة : ٥٨ ] قال ابن جرير : اللمز باليد والعين واللسان والإشارة، والهمز لا يكون إلاّ باللسان، ومعنى : لا تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ : لا يلمز بعضكم بعضاً، كما في قوله : وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ [ النساء : ٢٩ ] وقوله : فَسَلّمُواْ على أَنفُسِكُمْ [ النور : ٦١ ]. قال مجاهد، وقتادة وسعيد بن جبير : لا يطعن بعضكم على بعض. وقال الضحاك : لا يلعن بعضكم بعضاً وَلاَ تَنَابَزُواْ بالألقاب التنابز : التفاعل من النبز بالتسكين وهو المصدر، والنبز بالتحريك اللقب، والجمع أنباز، والألقاب جمع لقب، وهو اسم غير الذي سمي به الإنسان، والمراد هنا لقب السوء، والتنابز بالألقاب أن يلقب بعضهم بعضاً. قال الواحدي : قال المفسرون : هو أن يقول لأخيه المسلم : يا فاسق يا منافق، أو يقول لمن أسلم : يا يهودي يا نصراني، قال عطاء : هو كلّ شيء أخرجت به أخاك من الإسلام، كقولك : يا كلب يا حمار يا خنزير. قال الحسن ومجاهد : كان الرجل يعير بكفره، فيقال له : يا يهودي يا نصراني فنزلت، وبه قال قتادة وأبو العالية وعكرمة بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الإيمان أي بئس الاسم الذي يذكروا بالفسق بعد دخولهم في الإيمان، والاسم هنا بمعنى الذكر. قال ابن زيد : أي بئس أن يسمى الرجل كافراً أو زانياً بعد إسلامه وتوبته. وقيل المعنى : أن من فعل ما نهي عنه من السخرية واللمز والنبذ فهو فاسق. قال القرطبي : إنه يستثنى من هذا من غلب عليه الاستعمال كالأعرج والأحدب ولم يكن له سبب يجد في نفسه منه عليه، فجوّزته الأئمة واتفق على قوله أهل اللغة ا ه، وَمَن لَّمْ يَتُبْ عما نهى الله عنه فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون لارتكابهم ما نهى الله عنه وامتناعهم من التوبة، فظلموا من لقبوه، وظلمهم أنفسهم بما لزمها من الإثم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال :«قيل للنبيّ صلى الله عليه وسلم : لو أتيت عبد الله بن أبيّ، فانطلق إليه وركب حماراً وانطلق المسلمون يمشون وهي أرض سبخة، فلما انطلق إليه قال : إليك عني، فوالله لقد آذاني ريح حمارك، فقال رجل من الأنصار : والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك، فغضب لعبد الله رجال من قومه، فغضب لكل منهما أصحابه، فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فنزلت فيهم : وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا الآية».
وقد روي نحو هذا من وجوه أخر. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عمر قال : ما وجدت في نفسي من شيء ما وجدت في نفسي من هذه الآية، إني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال : إن الله أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إذا اقتتلت طائفة من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم الله وينصف بعضهم من بعض، فإذا أجابوا حكم فيهم بحكم كتاب الله حتى ينصف المظلوم، فمن أبى منهم أن يجيب فهو باغ، وحقّ على إمام المؤمنين والمؤمنين أن يقاتلوهم حتى يفيئوا إلى أمر الله ويقرّوا بحكم الله. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس : وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا الآية. قال : كان قتال بالنعال والعصيّ، فأمرهم أن يصلحوا بينهما. وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن عائشة قالت : ما رأيت مثل ما رغبت عنه هذه الأمة في هذه الآية : وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا . وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله : ياأيُّها الذين ءامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ قال : نزلت في قوم من بني تميم استهزءوا من بلال وسلمان وعمار وخباب وصهيب وابن فهيرة وسالم مولى أبي حذيفة. وأخرج عبد بن حميد والبخاريّ في الأدب، وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة، وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله : وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ قال : لا يطعن بعضكم على بعض. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاريّ في الأدب، وأهل السنن الأربع وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن حبان والشيرازي في الألقاب، والطبراني وابن السني في عمل يوم وليلة، والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي جبيرة بن الضحاك قال : فينا نزلت في بني سلمة : وَلاَ تَنَابَزُواْ بالألقاب قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس فينا رجل إلاّ وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا واحداً منهم باسم من تلك الأسماء قالوا : يا رسول الله إنه يكرهه، فنزلت : وَلاَ تَنَابَزُواْ بالألقاب . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : التنابز بالألقاب : أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب منها وراجع الحقّ، فنهى الله أن يعير بما سلف من عمله. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في الآية قال : إذا كان الرجل يهودياً فأسلم فيقول : يا يهوديّ يا نصرانيّ يا مجوسيّ، ويقول للرجل المسلم : يا فاسق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله : ياأيُّها الذين ءامَنُواْ اجتنبوا كَثِيراً مّنَ الظن قال : نهى الله المؤمن أن يظنّ بالمؤمن سوءًا. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إياكم والظنّ فإن الظنّ أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك». وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله : وَلاَ تَجَسَّسُواْ قال : نهى الله المؤمن أن يتتبع عورات المؤمن. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن زيد بن وهب قال : أتى ابن مسعود، فقيل : هذا فلان تقطر لحيته خمراً، فقال ابن مسعود : إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذه. وقد وردت أحاديث في النهي عن تتبع عورات المسلمين والتجسس عن عيوبهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله : وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً الآية. قال : حرم الله أن يغتاب المؤمن بشيء كما حرّم الميتة. والأحاديث في تحريم الغيبة كثيرة جداً معروفة في كتب الحديث.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية