ﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑ

الِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهِ، وَلِهَذَا
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَ [يَدِهِ] »
لِأَنَّ الْمُسْلِمَ يَكُونُ مُنْقَادًا لِأَمْرِ اللَّهِ مُقْبِلًا عَلَى عِبَادِ اللَّهِ فَيَشْغَلُهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ وَيَمْنَعُهُ أَنْ يُرْهِبَ الْأَخَ الْمُؤْمِنَ، وَإِلَيْهِ
أَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ مَنْ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»
يَعْنِي اتَّقِ اللَّهَ فَلَا تَتَفَرَّغْ لِغَيْرِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: (إِنَّمَا) لِلْحَصْرِ أَيْ لَا أُخُوَّةَ إِلَّا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ فَلَا، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الْجَامِعُ وَلِهَذَا إِذَا مَاتَ الْمُسْلِمُ وَلَهُ أَخٌ كَافِرٌ يَكُونُ مَالُهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا يَكُونُ لِأَخِيهِ الْكَافِرِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَكَذَلِكَ لِأَنَّ فِي النَّسَبِ الْمُعْتَبَرَ الْأَبُ الَّذِي هُوَ أَبٌ شَرْعًا، حَتَّى أَنَّ وَلَدَيِ الزِّنَا مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ لَا يَرِثُ أَحَدُهُمَا الْآخَرُ، فَكَذَلِكَ الْكُفْرُ كَالْجَامِعِ الْفَاسِدِ فَهُوَ كَالْجَامِعِ الْعَاجِزِ لَا يُفِيدُ الْأُخُوَّةَ، وَلِهَذَا مَنْ مَاتَ مِنَ الْكُفْرِ وَلَهُ أَخٌ مُسْلِمٌ وَلَا وَارِثَ لَهُ مِنَ النَّسَبِ لَا يُجْعَلُ مَالُهُ لِلْكُفَّارِ، وَلَوْ كَانَ الدِّينُ يَجْمَعُهُمْ لَكَانَ مَالُ الْكَافِرِ لِلْكُفَّارِ، كَمَا أَنَّ مَالَ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِينَ عِنْدَ عَدَمِ الْوَارِثِ، فَإِنْ قِيلَ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْأُخُوَّةَ لِلْإِسْلَامِ أَقْوَى مِنَ الْأُخُوَّةِ النَّسَبِيَّةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُسْلِمَ يَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ وَلَا يَرِثُهُ الْأَخُ الْكَافِرُ مِنَ النَّسَبِ، فَلِمَ لَمْ يُقَدِّمُوا الْأُخُوَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ عَلَى الْأُخُوَّةِ النَّسَبِيَّةِ مُطْلَقًا حَتَّى يَكُونَ مَالُ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِينَ لَا لِإِخْوَتِهِ مِنَ النَّسَبِ؟ نَقُولُ هَذَا سُؤَالٌ فَاسِدٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَخَ الْمُسْلِمَ إِذَا كَانَ أَخًا مِنَ النَّسَبِ فَقَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ أَخُوَّتَانِ فَصَارَ أَقْوَى وَالْعُصُوبَةُ لِمَنْ لَهُ الْقُوَّةُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَخَ مِنَ الْأَبَوَيْنِ يَرِثُ وَلَا يَرِثُ الْأَخُ مِنَ الْأَبِ مَعَهُ فَكَذَلِكَ الْأَخُ الْمُسْلِمُ مِنَ النَّسَبِ لَهُ أَخُوَّتَانِ فَيُقَدَّمُ عَلَى سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ النُّحَاةُ (مَا) فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَافَّةٌ تَكُفُّ إِنَّ عَنِ الْعَمَلِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَقِيلَ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنِينَ إِخْوَةٌ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ [آلِ عِمْرَانَ: ١٥٩] وَقَوْلِهِ عَمَّا قَلِيلٍ [الْمُؤْمِنُونَ: ٤٠] لَيْسَتْ كَافَّةً. وَالسُّؤَالُ الْأَقْوَى هُوَ أَنَّ رُبَّ مِنْ حُرُوفِ الْجَرِّ وَالْبَاءَ وَعَنْ كذلك، وما في رب كافة وفي عما وبما لَيْسَتْ كَافَّةً، وَالتَّحْقِيقُ فِيهِ هُوَ أَنَّ الْكَلَامَ بَعْدَ رُبَّمَا وَإِنَّمَا يَكُونُ تَامًّا، وَيُمْكِنُ جَعْلُهُ مستقلا ولو حذف ربما وإنما لم ضَرَّ، فَنَقُولُ رُبَّمَا قَامَ الْأَمِيرُ وَرُبَّمَا زِيدٌ فِي الدَّارِ، وَلَوْ حَذَفْتَ رُبَّمَا وَقُلْتَ زِيدٌ فِي الدَّارِ وَقَامَ الْأَمِيرُ لَصَحَّ، وَكَذَلِكَ فِي إنما ولكنما، وأما عما وبما فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، لِأَنَّ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ لَوْ أَذْهَبْتَ بِمَا وَقُلْتَ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، لَمَا كَانَ كَلَامًا فَالْبَاءُ يُعَدُّ تَعَلُّقُهَا بِمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهَا فَهِيَ بَاقِيَةٌ حَقِيقَةً، ولكنما وإنما وربما لَمَّا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا فَكَأَنَّهَا لَمْ يَبْقَ حُكْمُهَا وَلَا عَمَلَ لِلْمَعْدُومِ، فَإِنْ قِيلَ إِنَّ إِذَا لم تكف بما فَمَا بَعْدَهُ كَلَامٌ تَامٌّ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ عَمَلٌ تَقُولُ إِنَّ زَيْدًا قَائِمٌ وَلَوْ قُلْتَ زَيْدٌ قَائِمٌ لَكَفَى وَتَمَّ؟ نَقُولُ: لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ مَا بَعْدَ إِنَّ جَازَ أَنْ يَكُونَ نَكِرَةً، تَقُولُ إِنَّ رَجُلًا جَاءَنِي وَأَخْبَرَنِي بِكَذَا وَأَخْبَرَنِي بِعَكْسِهِ، وَتَقُولُ جَاءَنِي رَجُلٌ وَأَخْبَرَنِي، وَلَا يَحْسُنُ إِنَّمَا رَجُلٌ جَاءَنِي كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ إِنَّمَا، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي بَيْنَمَا وَأَيْنَمَا فَإِنَّكَ لَوْ حَذَفْتَهُمَا وَاقْتَصَرْتَ عَلَى مَا يَكُونُ بَعْدَهُمَا لَا يَكُونُ تَامًّا فَلَمْ يُكَفَّ، وَالْكَلَامُ فِي لَعَلَّ قَدْ تَقَدَّمَ مرارا.
[سورة الحجرات (٤٩) : آية ١١]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ السُّورَةَ لِلْإِرْشَادِ بَعْدَ إِرْشَادٍ فَبَعْدَ الْإِرْشَادِ إِلَى مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَ مَنْ يُخَالِفُهُمَا وَيَعْصِيهُمَا وَهُوَ الْفَاسِقُ، بَيَّنَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُ مَعَ الْمُؤْمِنِ، وَقَدْ

صفحة رقم 107

ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَائِبًا، فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْخَرَ مِنْهُ وَلَا يُلْتَفَتَ إِلَيْهِ بِمَا يُنَافِي التَّعْظِيمَ، وَفِي الْآيَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ مُرَتَّبَةٍ بَعْضُهَا دُونَ بَعْضٍ وَهِيَ السُّخْرِيَةُ وَاللَّمْزُ وَالنَّبْزُ، فَالسُّخْرِيَةُ هِيَ أَنْ لَا يَنْظُرَ الْإِنْسَانُ إِلَى أَخِيهِ بِعَيْنِ الْإِجْلَالِ وَلَا يَلْتَفِتَ إِلَيْهِ وَيُسْقِطَهُ عَنْ دَرَجَتِهِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَذْكُرُ مَا فِيهِ مِنَ الْمَعَايِبِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ بَعْضُ النَّاسِ تَرَاهُمْ إِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُمْ عَدُوُّهُمْ يَقُولُونَ هُوَ دُونَ أَنْ يُذْكَرَ، وَأَقَلُّ مِنْ أَنْ يُلْتَفَتَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَا تُحَقِّرُوا إِخْوَانَكُمْ وَلَا تَسْتَصْغِرُوهُمْ الثَّانِي: هُوَ اللَّمْزُ وَهُوَ ذِكْرُ مَا فِي الرَّجُلِ مِنَ الْعَيْبِ فِي غَيْبَتِهِ وَهَذَا دُونَ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ وَلَمْ يَرْضَ بِأَنْ يَذْكُرَهُ أَحَدٌ وَإِنَّمَا جَعَلَهُ مِثْلَ الْمَسْخَرَةِ الَّذِي لَا يُغْضَبُ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ الثَّالِثُ: هُوَ النَّبْزُ وَهُوَ دُونَ الثَّانِي، لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ يُضِيفُ إِلَيْهِ وَصْفًا ثَابِتًا فِيهِ يُوجِبُ بغضه وحظ مَنْزِلَتِهِ، وَأَمَّا النَّبْزُ فَهُوَ مُجَرَّدُ التَّسْمِيَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّقَبَ الْحَسَنَ وَالِاسْمَ الْمُسْتَحْسَنَ إِذَا وُضِعَ لِوَاحِدٍ وَعُلِّقَ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ مَعْنَاهُ مَوْجُودًا فَإِنَّ مَنْ يُسَمَّى سَعْدًا وَسَعِيدًا قَدْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، وَكَذَا مَنْ لُقِّبَ إِمَامَ الدِّينِ وَحُسَامَ الدِّينِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَامَةٌ وَزِينَةٌ، وَكَذَلِكَ النَّبْزُ بِالْمَرْوَانِ وَمَرْوَانُ الْحِمَارُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ سِمَةً وَنِسْبَةً، وَلَا يَكُونُ اللَّفْظُ مُرَادًا إِذَا لَمْ يُرَدْ بِهِ الْوَصْفُ كَمَا أَنَّ الْأَعْلَامَ كَذَلِكَ، فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ لِمَنْ سُمِّيَ بِعَبْدِ اللَّهِ أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ فَلَا تَعْبُدْ غَيْرَهُ، وَتُرِيدُ بِهِ وَصْفَهُ لَا تَكُونُ قَدْ أَتَيْتَ بِاسْمِ عَلَمِهِ إِشَارَةً، فَقَالَ لَا تَتَكَبَّرُوا فَتَسْتَحْقِرُوا إِخْوَانَكُمْ وَتَسْتَصْغِرُوهُمْ بِحَيْثُ لَا تَلْتَفِتُوا إِلَيْهِمْ أَصْلًا وَإِذَا نَزَلْتُمْ عَنْ هَذَا مِنَ النِّعَمِ إِلَيْهِمْ فَلَا تَعِيبُو [هُمْ] طَالِبِينَ حَطَّ دَرَجَتِهِمْ وَالْغَضَّ عَنْ مَنْزِلَتِهِمْ، وَإِذَا تَرَكْتُمُ النَّظَرَ فِي مَعَايِبِهِمْ وَوَصْفِهِمْ بِمَا يَعِيبُهُمْ فَلَا تُسَمُّوهُمْ بِمَا يَكْرَهُونَهُ وَلَا تُهَوِّلُوا هَذَا لَيْسَ بِعَيْبٍ يُذْكَرُ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ اسْمٌ يُتَلَفَّظُ بِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَى بَيَانِ صِفَةٍ وَذَكَرَ فِي الْآيَةِ مَسَائِلَ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ الْقَوْمُ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى جَمْعٍ مِنَ الرِّجَالِ وَلَا يَقَعُ/ عَلَى النِّسَاءِ وَلَا عَلَى الْأَطْفَالِ لِأَنَّهُ جَمْعٌ قَائِمٌ كَصَوْمٍ جَمْعُ صَائِمٍ، وَالْقَائِمُ بِالْأُمُورِ هُمُ الرِّجَالُ فَعَلَى هَذَا الْأَقْوَامُ الرِّجَالُ لَا النِّسَاءُ فَائِدَةٌ: وَهِيَ أَنَّ عَدَمَ الِالْتِفَاتِ وَالِاسْتِحْقَارِ إِنَّمَا يَصْدُرُ فِي أَكْثَرِ الْأَمْرِ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرِّجَالِ، لِأَنَّ الْمَرْأَةَ فِي نَفْسِهَا ضَعِيفَةٌ، فَإِذَا لَمْ يَلْتَفِتِ الرِّجَالُ إِلَيْهَا لَا يَكُونُ لَهَا أَمْرٌ،
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «النِّسَاءُ لَحْمٌ عَلَى وَضَمٍ إِلَّا مَا رَدَدْتَ عَنْهُ»
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا يُوجَدُ مِنْهَا اسْتِحْقَارُ الرَّجُلِ وَعَدَمُ الْتِفَاتِهَا إِلَيْهِ لِاضْطِرَارِهَا فِي دَفْعِ حَوَائِجِهَا [إِلَيْهِ]، وَأَمَّا الرِّجَالُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النِّسَاءِ فَيُوجَدُ فِيهِمْ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْقُبْحِ وَهَذَا أَشْهَرُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ فِي الدَّرَجَةِ الْعَالِيَةِ الَّتِي هِيَ نِهَايَةُ الْمُنْكَرِ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ كَسْرًا لَهُ وَبُغْضًا لِنُكْرِهِ، وَقَالَ في المرتبة الثانية لا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ جَعَلَهُمْ كَأَنْفُسِهِمْ لَمَّا نَزَلُوا دَرَجَةً رَفَعَهُمُ اللَّهُ دَرَجَةً وَفِي الْأَوَّلِ جَعَلَ الْمَسْخُورَ مِنْهُ خَيْرًا، وَفِي الثَّانِي جَعَلَ الْمَسْخُورَ مِنْهُ مَثَلًا، وَفِي قَوْلِهِ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ حِكْمَةٌ وَهِيَ أَنَّهُ وَجَدَ مِنْهُمُ النُّكْرَ الَّذِي هُوَ مُفْضٍ إِلَى الْإِهْمَالِ وَجَعَلَ نَفْسَهُ خَيْرًا مِنْهُمْ كَمَا فَعَلَ إِبْلِيسُ حَيْثُ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى آدَمَ وَقَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف: ١٢] فَصَارَ هُوَ خَيْرًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ أَنْ يَكُونُوا يَصِيرُوا فَإِنَّ مَنِ اسْتَحْقَرَ إِنْسَانًا لِفَقْرِهِ أَوْ وَحْدَتِهِ أَوْ ضَعْفِهِ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَفْتَقِرَ هُوَ وَيَسْتَغْنِيَ الْفَقِيرُ، وَيَضْعُفَ هُوَ وَيَقْوَى الضَّعِيفُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ تَعَالَى: قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ وَلَمْ يَقُلْ نَفْسٌ مِنْ نَفْسٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا فِيهِ إِشَارَةٌ إلى منع

صفحة رقم 108

التَّكَبُّرِ وَالْمُتَكَبِّرُ فِي أَكْثَرِ الْأَمْرِ يُرِي جَبَرُوتَهُ على رؤوس الْأَشْهَادِ، وَإِذَا اجْتَمَعَ فِي الْخَلَوَاتِ مَعَ مَنْ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ فِي الْجَامِعِ يَجْعَلُ نَفْسَهُ مُتَوَاضِعًا، فَذَكَرَهُمْ بِلَفْظِ الْقَوْمِ مَنْعًا لَهُمْ عَمَّا يَفْعَلُونَهُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَيْبَ الْأَخِ عَائِدٌ إِلَى الْأَخِ فَإِذَا عَابَ عَائِبٌ نَفْسًا فَكَأَنَّمَا عَابَ نَفْسَهُ وَثَانِيهُمَا: هُوَ أَنَّهُ إِذَا عَابَهُ وَهُوَ لَا يَخْلُو مِنْ عَيْبٍ يُحَارِبُهُ الْمَعِيبُ فَيَعِيبُهُ فَيَكُونُ هُوَ بِعَيْبِهِ حَامِلًا لِلْغَيْرِ عَلَى عَيْبِهِ وَكَأَنَّهُ هُوَ الْعَائِبُ نَفْسَهُ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النِّسَاءِ: ٢٩] أَيْ أَنَّكُمْ إِذَا قَتَلْتُمْ نَفْسًا قُتِلْتُمْ فَتَكُونُوا كَأَنَّكُمْ قَتَلْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ ثَالِثًا وَهُوَ أَنْ تَقُولَ لَا تَعِيبُوا أَنْفُسَكُمْ أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ فَإِنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ فَقَدْ عِبْتُمْ أَنْفُسَكُمْ، أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ عَابَ كُلَّ وَاحِدٍ فَصِرْتُمْ عَائِبِينَ مِنْ وَجْهٍ مَعِيبِينَ من وجه، وهذا الوجه هاهنا ظَاهِرٌ وَلَا كَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: إِنْ قِيلَ قَدْ ذَكَرْتُمْ أَنَّ هَذَا إِرْشَادٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَا يَجِبُ أَنْ يَفْعَلَهُ الْمُؤْمِنُ عِنْدَ حُضُورِهِ بَعْدَ الْإِشَارَةِ إِلَى مَا يَفْعَلُهُ فِي غَيْبَتِهِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَلا تَلْمِزُوا قِيلَ فِيهِ بِأَنَّهُ الْعَيْبُ خَلْفَ الْإِنْسَانِ وَالْهَمْزُ هُوَ الْعَيْبُ فِي وَجْهِ الْإِنْسَانِ، نَقُولُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ الْعَكْسُ أَوْلَى، وَذَلِكَ لِأَنَّا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى قَلْبِ الْحُرُوفِ دَلَلْنَ عَلَى الْعَكْسِ، لِأَنَّ لَمَزَ قَلْبُهُ لَزَمَ وَهَمَزَ قَلْبُهُ هَزَمَ، وَالْأَوَّلُ: يَدُلُّ عَلَى الْقُرْبِ، وَالثَّانِي: عَلَى الْبُعْدِ، فَإِنْ قِيلَ اللَّمْزُ هُوَ الطَّعْنُ وَالْعَيْبُ فِي الْوَجْهِ كَانَ أَوْلَى مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ/ قِيلَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَالَ تَعَالَى: وَلا تَنابَزُوا وَلَمْ يَقُلْ لَا تَنْبِزُوا، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّمَّازَ إِذَا لَمَزَ فَالْمَلْمُوزُ قَدْ لَا يَجِدُ فِيهِ فِي الْحَالِ عَيْبًا يَلْمِزُهُ بِهِ، وَإِنَّمَا يَبْحَثُ وَيَتْبَعُهُ لِيَطَّلِعَ مِنْهُ عَلَى عَيْبٍ فَيُوجَدُ اللَّمْزُ مِنْ جَانِبٍ، وَأَمَّا النَّبْزُ فَلَا يَعْجِزُ كُلُّ وَاحِدٍ عَنِ الْإِتْيَانِ بِهِ، فَإِنَّ مَنْ نَبَزَ غَيْرَهُ بالحمار وهو يَنْبِزُهُ بِالثَّوْرِ وَغَيْرِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبْزَ يُفْضِي فِي الْحَالِ إِلَى التَّنَابُزِ وَلَا كَذَلِكَ اللَّمْزُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ.
قِيلَ فِيهِ إِنَّ الْمُرَادَ بِئْسَ أَنْ يَقُولَ للمسلم يا يهودي بعد الإيمان أي بعد ما آمَنَ فَبِئْسَ تَسْمِيَتُهُ بِالْكَافِرِ، وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ هَذَا تَمَامٌ للزجر، كَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مَنْ قَوْمٍ وَلَا تَلْمِزُوا ولا تنابزوا فإنه إن فعل يفسق بعد ما آمَنَ، وَالْمُؤْمِنُ يَقْبُحُ مِنْهُ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَ إِيمَانِهِ بِفُسُوقٍ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [الْأَنْعَامِ: ٨٢] ويصير التقدير بِئْسَ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَبِئْسَ أَنَّ تَسَمَّوْا بالفاسق بسبب هذه الأفعال بعد ما سَمَّيْتُمُوهُمْ مُؤْمِنِينَ.
قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وَهَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَالَ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنَ الصَّغَائِرِ فَمَنْ يصير عَلَيْهِ يَصِيرُ ظَالِمًا فَاسِقًا وَبِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ لَا يَتَّصِفُ بِالظُّلْمِ وَالْفِسْقِ فَقَالَ وَمَنْ لَمْ يَتْرُكْ ذَلِكَ وَيَجْعَلْهُ عَادَةً فَهُوَ ظَالِمٌ وَثَانِيهِمَا: أَنْ يُقَالَ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ وَلا تَلْمِزُوا وَلا تَنابَزُوا مَنْعٌ لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ لَمْ يَتُبْ أَمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ عَمَّا مَضَى وَإِظْهَارِ النَّدَمِ عَلَيْهَا مُبَالَغَةً فِي التَّحْذِيرِ وَتَشْدِيدًا فِي الزَّجْرِ، وَالْأَصْلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَنابَزُوا لَا تَتَنَابَزُوا أُسْقِطَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، كَمَا أَسْقَطَ فِي الِاسْتِفْهَامِ إِحْدَى الْهَمْزَتَيْنِ فَقَالَ: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ [الْبَقَرَةِ: ٦] والحذف هاهنا أَوْلَى لِأَنَّ تَاءَ

صفحة رقم 109

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية