يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ( الحجرات : ١١ ).
تفسير المفردات : السخرية : الاحتقار وذكر العيوب والنقائص على وجه يضحك منه، يقال : سخر به وسخر منه، وضحك به ومنه، وهزئ به ومنه، والاسم السخرية والسخرى ( بالضم والكسر ) وقد تكون بالمحاكاة بالقول أو بالفعل أو بالإشارة أو بالضحك على كلام المسخور منه إذا غلظ فيه، أو على صنعته، أو على قبح صورته.
والقوم : شاع إطلاقه على الرجال دون النساء كما في الآية وكما قال زهير :
وما أدري وسوف إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء
ولا تلمزوا أنفسكم : أي لا يعب بعضكم بعضا بقول أو إشارة باليد أو العين أو نحوهما، و المؤمنون كنفس واحدة فمتى عاب المؤمن المؤمن فكأنما عاب نفسه، والتنابز : التعاير والتداعي بما يكرهه الشخص من الألقاب، والاسم : الذكر والصيت، من قولهم : طار اسمه بين الناس بالكرم أو اللؤم.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن مع الله تعالى ومع النبي صلى الله عليه وسلم ومع من يخالفهما ويعصيهما وهو الفاسق، بين ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن مع المؤمن، فذكر أنه لا ينبغي أن يسخر منه ولا أن يعيبه بالهمز واللمز، ولا أن يلقبه باللقب الذي يتأذى منه، فبئس العمل هذا، ومن لم يتب بعد ارتكابه فقد أساء إلى نفسه وارتكب جرما كبيرا.
روي أن الآية نزلت في وفد تميم إذ كانوا يستهزئون بفقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كعمار وصهيب وبلال وخباب وابن فهيرة وسلمان الفارسي وسالم مولى أبي حذيفة في آخرين غيرهم لما رأوا من رثاثة حالهم.
وروي أنها نزلت في صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنه : أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت :( إن النساء يقلن لي : يا يهودية بنت يهوديين، فقال لها :( هلا قلت : أبي هارون، وعمي موسى، وزوجي محمد ).
الإيضاح : يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم أي لا يهزأ ناس من المؤمنين بآخرين : ثم ذكر العلة في ذلك فقال :
عسى أن يكونوا خيرا منهم أي فقد يكون المسخور منهم خيرا عند الله من الساخرين كما جاء في الأثر :( فرب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله تعالى لأبره ).
فينبغي ألا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن تتقحمه عينه لرثاثة حاله، أو لكونه ذا عاهة في بدنه، أو لكونه غير لبق في محادثته، فلعله أخلص ضميرا وأنقى قلبا ممن هو على ضد صفته، فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله تعالى.
ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن أي ولا يسخر نساء من نساء عسى أن يكون المسخور منهن خيرا من الساخرات، وأتى بالجمع في الموضعين، من قبل أن الأغلب في السخرية أن تكون في مجامع الناس، وكم من متلذذ بها، وكم من متألم منها.
روى الترمذي عن عائشة قالت : حكيت للنبي صلى الله عليه وسلم رجلا فقال :( ما يسرني أني حكيت رجلا وأن لي كذا وكذا )، قالت : فقلت يا رسول الله إن صفية امرأة وقالت١ بيدها هكذا تعني أنها قصيرة، فقال :( لقد مزحت بكلمة لو مزحت بماء البحر لمزجته ).
وروى مسلم عن أبي هريرة قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم )وفي هذا إيماء إلى أن المرء لا يقطع بمدح أحد أو عيبه كما يرى عليه من صور أعمال الطاعة أو المخالفة، فلعل من يحافظ على الأعمال الظاهرة يعلم الله من قلبه وصفا مذموما لا تصح معه تلك الأعمال، ولعل من رأينا منه تفريطا أو معصية يعلم الله من قلبه وصفا محمودا يغفر له بسببه، فالأعمال أمارات ظنية، لا أدلة قطعية.
ولا تلمزوا أنفسكم أي ولا يعب بعضكم بعضا بقول أو إشارة على وجه الخفية.
وفي قوله : أنفسكم تنبيه إلى أن العاقل لا يعيب نفسه، فلا ينبغي أن يعيب غيره لأنه كنفسه، ومن ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم :( المؤمنون كجسد واحد إن اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) وقال عليه الصلاة والسلام :( يبصر أحدكم القذاة٢في عين أخيه ويدع الجذع في عينه ).
وقيل : من سعادة المرء أن يشتغل بعيوب نفسه عن عيوب غيره. قال الشاعر :
لا تكشفن من مساوي الناس ما ستروا فيهتك الله سترا عن مساويكا
واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ولا تعب أحدا منهم بما فيكا
ولا تنابزوا بالألقاب أي لا يدع بعضكم بعضا باللقب الذي يسوءه ويكرهه كأن يقول لأخيه المسلم : يا فاسق، يا منافق، أو يقول لمن أسلم، يا يهودي، أو يا نصراني.
قال قتادة وعكرمة عن أبي جبيرة بن الضحاك قال : في بني سلمة نزلت : ولا تنابزوا بالألقاب قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا واحد باسم من تلك الأسماء قالوا : يا رسول الله إنه يكرهه فنزلت. أخرجه البخاري في الأدب وأهل السنن وغيرهم.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : التنابز بالألقاب أن يكون الرجل قد عمل السيئات ثم تاب وراجع الحق، فنهى الله تعالى أن يعير بما سلف من عمله.
أما الألقاب التي تكسب حمدا أو مدحا وتكون حقا وصدقا فلا تكره كما قيل لأبي بكر : عتيق، ولعمر : الفاروق، ولعثمان : ذو النورين، ولعلي : أبو تراب، ولخالد سيف الله.
بس الاسم الفسوق بعد الإيمان أي بئس الذكر المرتفع للمؤمنين أن يذكروا بالفسوق بعد دخولهم في الإيمان واشتهارهم به.
وفي هذا إيماء إلى استقباح الجمع بين الأمرين كما تقول بئس الصبوة بعد الشيخوخة أي معها.
ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون أي ومن لم يتب من نبزه أخاه بما نهى الله عن نبزه من الألقاب، أو لمزه إياه، أو سخريته منه، فأولئك هم الذين ظلموا أنفسهم فأكسبوها عقاب الله بعصيانهم إياه.
تفسير المراغي
المراغي