(وَاتَّقُوا اللَّهَ) فى كل ما تأتون وما تذرون، ومن ذلك ما أمرتم به من إصلاح ذات البين.
(لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) أي رجاء أن يرحمكم ربكم ويصفح عن سالف إجرامكم إذا أنتم أطعتموه واتبعتم أمره ونهيه.
[سورة الحجرات (٤٩) : آية ١١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)
تفسير المفردات
السخرية: الاحتقار وذكر العيوب والنقائص على وجه يضحك منه، يقال سخر به وسخر منه، وضحك به ومنه، وهزىء به ومنه والاسم السخرية والسخرى (بالضم والكسر) وقد تكون بالمحاكاة بالقول أو بالفعل أو بالإشارة أو بالضحك على كلام المسخور منه إذا غلظ فيه، أو على صنعته، أو على قبح صورته.
والقوم: شاع إطلاقه على الرجال دون النساء كما في الآية وكما قال زهير:
| وما أدرى وسوف إخال أدرى | أقوم آل حصن أم نساء |
طار اسمه بين الناس بالكرم أو اللؤم. صفحة رقم 132
المعنى الجملي
بعد أن ذكر ما ينبغى أن يكون عليه المؤمن مع الله تعالى ومع النبي صلّى الله عليه وسلّم ومع من يخالفهما ويعصيهما وهو الفاسق، بيّن ما ينبغى أن يكون عليه المؤمن مع المؤمن، فذكر أنه لا ينبغى أن يسخر منه ولا أن يعيبه بالهمز واللمز، ولا أن يلقبه باللقب الذي يتأذى منه، فبئس العمل هذا، ومن لم يتب بعد ارتكابه فقد أساء إلى نفسه وارتكب جرما كبيرا.
روى أن الآية نزلت فى وفد تميم إذ كانوا يستهزئون بفقراء أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم كعمار وصهيب وبلال وخبّاب وابن فهيرة وسلمان الفارسي وسالم مولى أبى حذيفة فى آخرين غيرهم لما رأوا من رثاثة حالهم.
وروى أنها نزلت فى صفيّة بنت حيىّ بن أخطب رضى الله عنها: أتت رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقالت: «إن النساء يقلن لى: يا يهودية بنت يهوديين، فقال لها:
هلّا قلت: أبى هارون، وعمى موسى، وزوجى محمد».
الإيضاح
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ) أي لا يهزأ ناس من المؤمنين بآخرين:
ثم ذكر العلة فى ذلك فقال:
(عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ) أي فقد يكون المسخور منهم خيرا عند الله من الساخرين كما
جاء فى الأثر «فربّ أشعث أغبر ذى طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله تعالى لأبرّه».
فينبغى ألا يجترىء أحد على الاستهزاء بمن تتقحمه عينه لرثاثة حاله، أو لكونه ذا عاهة فى بدنه، أو لكونه غير لبق فى محادثته، فلعله أخلص ضميرا وأنقى قلبا ممن هو على ضد صفته، فيظلم نفسه بتحقير من وقّره الله تعالى.
(وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ) أي ولا يسخر نساء من نساء عسى أن يكون المسخور منهن خيرا من الساخرات، وأتى بالجمع فى الموضعين، من قبل أن الأغلب فى السخرية أن تكون فى مجامع الناس، وكم من متلذذ بها، وكم من متألم منها.
روى الترمذي عن عائشة قالت: حكيت للنبى صلّى الله عليه وسلّم رجلا فقال:
«ما يسرنى أنى حكيت رجلا وأن لى كذا وكذا، قالت فقلت يا رسول الله إن صفية امرأة وقالت «١» بيدها هكذا تعنى أنها قصيرة، فقال: لقد مزحت بكلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته».
وروى مسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»
وفى هذا إيماء إلى أن المرء لا يقطع بمدح أحد أو عيبه كما يرى عليه من صور أعمال الطاعة أو المخالفة، فلعل من يحافظ على الأعمال الظاهرة يعلم الله من قلبه وصفا مذموما لا تصح معه تلك الأعمال، ولعل من رأينا منه تفريطا أو معصية يعلم الله من قلبه وصفا محمودا يغفر له بسببه، فالأعمال أمارات ظنية، لا أدلة قطعية.
(وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) أي ولا يعب بعضكم بعضا بقول أو إشارة على وجه الخفية.
وفى قوله: «أنفسكم» تنبيه إلى أن العاقل لا يعيب نفسه، فلا ينبغى أن يعيب غيره لأنه كنفسه، ومن ثم
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «المؤمنون كجسد واحد إن اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى»
وقال عليه الصلاة والسلام: «يبصر أحدكم القذاة «٢» فى عين أخيه ويدع الجذع فى عينه».
(٢) ما يقع فى العين والماء والتراب من تراب أو تبن أو وسخ أو غير ذلك.
وقيل: من سعادة المرء أن يشتغل بعيوب نفسه عن عيوب غيره. قال الشاعر:
| لا تكشفن من مساوى الناس ما ستروا | فيهتك الله سترا عن مساويكا |
| واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا | ولا تعب أحدا منهم بما فيكا |
قال قتادة وعكرمة عن أبى جبيرة بن الضحاك قال: فى بنى سلمة نزلت (وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ) قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا واحدا باسم من تلك الأسماء قالوا: يا رسول الله إنه يكرهه فنزلت. أخرجه البخاري فى الأدب وأهل السنن وغيرهم.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل قد عمل السيئات ثم تاب وراجع الحق، فنهى الله تعالى أن يعيّر بما سلف من عمله.
أما الألقاب التي تكسب حمدا أو مدحا وتكون حقّا وصدقا فلا تكره كما قيل لأبى بكر: عتيق، ولعمر: الفاروق، ولعثمان: ذو النورين، ولعلى: أبو تراب، ولخالد سيف الله.
(بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ) أي بئس الذكر المرتفع للمؤمنين أن يذكروا بالفسوق بعد دخولهم فى الإيمان واشتهارهم به.
وفى هذا إيماء إلى استقباح الجمع بين الأمرين كما تقول بئس الصبوة بعد الشيخوخة أي معها.
(وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) أي ومن لم يتب من نبزه أخاه بما نهى الله عن نبزه من الألقاب، أو لمزه إياه، أو سخريته منه، فأولئك هم الذين ظلموا أنفسهم فأكسبوها عقاب الله بعصيانهم إياه. صفحة رقم 135
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي