تفسير المفردات : لعنتم : أي لوقعتم في الجهد والهلاك، والكفر : تغطية نعم الله تعالى بالجحود لها، الفسوق : الخروج عن الحد كما علمت، والعصيان : عدم الانقياد، من قولهم : عصت النواة : أي صلبت واشتدت، والرشاد : إصابة الحق واتباع الطريق السوي.
المعنى الجملي : أدب الله عباده المؤمنين بأدب نافع لهم في دينهم ودنياهم – أنه إذا جاءهم الفاسق المجاهر بترك شعائر الدين بأي خبر، لا يصدقونه بادئ ذي بدء حتى يتثبتوا، ويتطلبوا انكشاف الحقيقية ولا يعتمدوا على قوله، فإن من لا يبالي بالفسق لا يبالي بالكذب الذي هو من فصيلته-كراهة أن يصيبوا بأذى قوما هم جاهلون حالهم، فتندموا على ما فرط منكم، وتتمنوا أنه لو لم يكن قد وقع.
روي عن ابن عباس :( أن الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان قد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق ليأخذ الصدقات، فلما أتاهم الخبر فرحوا به وخرجوا يستقبلونه، فلما حدث بذلك الوليد حسب أنهم جاؤوا لقتاله، فرجع قبل أن يدركوه وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم منعوا الزكاة، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا، وبينما هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد فقالوا : يا رسول الله : إنا حدثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق، وإنا خشينا أنه إنما رده كتاب جاء منك لغصب غضبته علينا، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فأنزل الله عذرهم في الكتاب فقال : يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ الآية. أخرجه أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، وقال ابن كثير : وهذا من أحسن ما روي في سبب نزول الآية.
وقال الرازي : هذه الرواية ضعيفة لأن إطلاق لفظ الفاسق على الوليد بعيد، لأنه توهم وظن فأخطأ، والمخطئ لا يسمى فاسقا، كيف والفاسق في أكثر المواضع يراد به من خرج من ربقة الإيمان لقوله : إن الله لا يهدي القوم الفاسقين ( المنافقون : ٦ ) ا. هـ.
ثم بين أن صحبه كانوا يريدون أن يتبع رأيهم في الحوادث، ولو فعل ذلك لوقعوا في العنت والهلاك، ولكن الله حبب إلى بعضهم الإيمان وزينه في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وهؤلاء أهل الرشاد والسالكون الطريق السوي.
الإيضاح : ثم وعظهم سبحانه بعظة هم أحرى الناس باتباعها فقال :
واعلموا أن فيكم رسول الله أي واعلموا أن بين أظهركم رسول الله فعظموه ووقروه وتأدبوا معه وانقادوا لأمره، فإنه أعلم بمصالحكم وأشفق عليكم منكم كما قال تعالى : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ( الأحزاب : ٦ ).
ثم بين أن رأيه أنفع لهم وأجدر بالرعاية فقال :
لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم أي لو سارع إلى ما أردتم قبل وضوح الأمر وأجاب ما أشرتم به عليه من الآراء لوقعتم في الجهد والإثم، ولكنه لا يطيعكم في غالب ما تريدون قبل وضوح وجهه له، ولا يسارع إلى العمل بما يبلغه قبل النظر فيه.
عن أبي سعيد الخدري أنه قرأ هذه الآية وقال : هذا نبيكم يوحى إليه، وخيار أئمتكم لو أطاعهم في كثير من الأمر لعنتوا، فكيف بكم اليوم، أخرجه الترمذي.
ثم استدرك على ما سلف لبيان براءة بعضهم من أوصاف الأولين فقال :
ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أي ولكن جمعا منكم براء مما أنتم عليه من تصديق الكاذب وتزيين الإيقاع بالبريء وإرادة أن يتبع الحق أهواءهم، لأن الله تعالى جعل الإيمان أحب الأشياء إليهم، فلا يقع منهم إلا ما يوافقه ويقتضيه من الأمور الصالحة وترك التسرع في الأخبار، وكره إليهم هذه الأمور الثلاثة : الكفر والفسوق والعصيان.
والخلاصة : إن الإيمان الكامل إقرار باللسان، وتصديق بالجنان وعمل بالأركان، فكراهة الكفر في مقابلة محبة الإيمان، وتزيينه في القلوب هو التصديق بالجنان، والفسوق وهو الكذب في مقابلة الإقرار باللسان، والعصيان في مقابلة العمل بالأركان.
أولئك هم الراشدون أي هؤلاء الذين هذه صفاتهم السالكون طريق السعادة ولم يميلوا عن الاستقامة.
تفسير المراغي
المراغي