ﰘﰙﰚﰛﰜﰝﰞﰟﰠﰡﰢﰣ

ويختم الحق سبحانه سورة المائدة بقوله :
لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير( ١٢٠ ) .
والسماء والأرض هما ظرفان للوجود وللكائنات كلها من أبراج وكواكب وشمس وقمر ونجوم وهواء وغمام وماء وحيوان وإنسان. فالأرض وهي الملك الأسفل الذي نراه وما فيه من أقوات وحيوان وإنسان. والسماء وما تحوي وتضم من الملكوت الأعلى، هما جميعا لله ملكا وملكا فهو – سبحانه – الذي يملك كل شيء ويملك كذلك المالك للشيء. وقول الحق : لله ملك السماوات والأرض ينطبق مع قول المسيح عيسى بن مريم :
إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ( سورة المائدة )
أي أنه ليس لشيء من خلق الله أن يخرج عن مرادات الله، أما في الدنيا فقد جعل الله أسبابها في أيدي الناس، رزق إنسان في يد إنسان آخر، وملك بعضنا أمر بعض، فهناك مالك الطعام ومالك الثوب، ولكن ليس كل مالك ملكا ؛ لأن الملك هو الذي يملك المالك، وهذه سنن الكون. وفي الآخرة هناك مالك واحد هو مالك يوم الدين. فكأن الحق أنهى هذه السورة بالحديث عن نهاية الحياة ؛ لأنه سبحانه قد بدأها بالحديث عن أحكام الله فقال :
أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام ( من الآية ١ سورة المائدة ).
لقد تكلم سبحانه في الأحكام عن الصيد في البر والصيد في البحر وعن الحلال والحرام من الأنعام وعن النكاح، وعن كل ما يتعلق بمسئوليات الحياة، وملك بعضنا أمر بعض، لكن في اليوم الآخر فالمسألة مختلفة. فبدأ السورة بأمر هو : أوفوا بالعقود
إن كل أمر ورد من الآمر الأعلى، فالمأمور يفعل أو لا يفعل. فهناك من الناس من يؤمن ومن يعصى، ومعنى ذلك أن المأمورين لهم حرية الاختيار، فلو كان الأمر لا بد أن يفعل دون اختيار لكان الآمر قد خلق الخلق وهم مفطورون على أن يفعلوا فيكون بذلك قد قهرهم، لكن الآمر الأعلى ترك هذه الأوامر لاختيار البشر، وهم صالحون للطاعة والوفاء بالعقود، وهم صالحون للمعصية.
لقد بدأ سبحانه السورة بمنطقة الاختيار في الإنسان التي خلقها الله لينشأ عنها التكليف. وأوضح بعد ذلك أن للاختيار أمدا محدودا سينتهي، ويجمع الله الناس يوم ينفع الصادقين صدقهم ويكون الأمر كله الله.
ويختم الحق السورة بقوله سبحانه : لله ملك السماوات والأرض أي أنه سبحانه يملك الكون كله، والكون – كما نعلم – مكون من أجناس متعددة. وأول جنس في الكون هو الخادم الذي لا يخدم هو الجماد، والجماد قد يكون ماء أو جبالا أو حديدا، أو شمسا، أو قمرا، أو نجوما، كل هذه جمادات، أي ليس لها حس. وهذه الجمادات تخدم أول ما تخدم النبات. والنبات يخدم الحيوان، والحيوان يخدم الإنسان.
هكذا يكون الجماد خادما لكل ما يعلوه من نبات وحيوان وإنسان. النبات يخدم الحيوان والإنسان. والحيوان يخدم الإنسان. وكل هذه الأشياء التي تخدم الإنسان لا اختيار لها وكلها مقهورة لخدمة الإنسان ؛ فالشمس لم تغضب يوما على البشر فلم تمدهم بحرارتها ولا المطية تأبت على صاحبها.
والإنسان فيه قسمان : قسم مقهور للحق فلا يستطيع الإنسان أن يتحكم فيه أو يسيطر عليه مثل المرض أو الموت وهو في ذلك يشترك مع الحيوان والنبات والجماد، وقسم يكون الإنسان فيه مختارا وهو تطبيق المنهج.
إننا إذا نظرنا إلى الجانب الذي قهر فيه الحق الإنسان نجده لمصلحة الإنسان. فالإنسان لا يختار أن يتنفس ولا أن يسري الدم في عروقه ولا أن تعمل كليتاه، إنه مقهور في كل ذلك. ومن رحمة الله بالخلق أن جعلهم مسيرين ومقهورين في هذه النواحي، فلم يجعل تنفس أحد بيد صاحبه ولا جعل القلب يعمل بإرادة الإنسان. والإنسان – إذن - يخير في مسائل التكليف فقط. وكأن الحق يذكر الإنسان أن منطقة الاختيار هي عقد بين المؤمن وربه ؛ لأن الاختيار سيسلب من العباد يوم القيامة، ويكون كل العباد مقهورين ويصير الكائن البشري مثل الجماد والنبات والحيوان. ولذلك يقول الحق سبحانه :
لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير( ١٢٠ ) ( سورة المائدة )
إن الإنسان يوم القيامة سيصير بلا اختيار لأن الحق استعمل ( ما ) هنا وهي تدل على الأشياء غير العاقلة أي التي لا اختيار لها. كأن العقل له عمل في الدنيا وهو التمييز بين البدائل، أما في الآخرة فالكل متساو أمام خالقه. وعلمنا من قبل الفارق بين ( ملك ) و ( ملكوت ). وكلنا يقرأ قول الحق :
كذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ( من الآية ٧٥ سورة الأنعام )
كأن الحق ينبهنا إلى أن العالم فيه ما يقع تحت الإحساس والإدراك، وفيه ما لا يقع تحت الإحساس والإدراك. فالذي يقع تحت الحس والإدراك هو عالم الملك. والذي لا يقع تحت الحس والإدراك هو عالم الملكوت. ولا نعرف عن عالم الملكوت إلا ما أخبرنا به الله. وهناك في عالم الملك ما يخفيه الله عنا، وسبحانه وحده هو القادر على كل شيء، والحق يطلب منا أن نعتبر بما في العالم المشهود من ظواهر. وله سبحانه مطلق العلم بعالم ( الملكوت ) أي ببواطن هذه الظواهر غير المشهودة. و ( الملك ) و ( الملكوت ) موجودان في الدنيا والآخرة، إلا أن الملك ظاهر والملكوت خفي.
ويوزع الحق سبحانه وتعالى أسباب الملك في الدنيا بين أيدي خلقه، ويملك التصرف فيما بين أيدينا وفيما خفي عنا، ويشاء الحق أن ينهى هذه المسألة من مبررات الخلافة للإنسان على الإنسان في الأرض فيقول : لله ملك السماوات والأرض وما فيهن فلله الملكوت، ولكم بعض الملك أيها العباد في ظواهر نسبة الأشياء إلى أسبابها وذلك في الدنيا، أما يوم القيامة فكل شيء ينتهي إلى الله.
ولكن لماذا قال الحق : وما فيهن على الرغم من أن الحق استخلف الإنسان في الأرض، والإنسان عاقل وكان من حقه أن يغلب فيأتي القول : ومن فيهن ؛ لأن ( من ) للعاقل، لقد أراد الحق بذلك أن ينبئنا أن الكل أصبح لا اختيار له، وأصبح مقهورا على المراد منه فقد تساوي الجميع عاقلهم وغير عاقلهم فيقول لنا : وما فيهن وهو على كل شيء قدير وبهذه الآية ختمت سورة المائدة.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير