ﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂ

قوله : قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِين يَخَافُون هذا الجارُّ والمَجْرُور في محلِّ رَفْع صِفَةٍ ل " رَجُلاَن "، ومَفْعُول " يَخَافُونَ " محذوفٌ تَقْدِيرُهُ :" يَخَافُون الله "، أو يخافُون العَدُوّ [ ولكن ثَبَّتَهُمَا اللَّهُ تعالى ] بالإيمَان والثِّقَةِ به، حتى قَالُوا هَذِه المَقَالة، ويُؤيِّد التَّقْدير الأوَّل التَّصْرِيح بالمَفْعُول في قِرَاءة ابْن مَسْعُود١ " يَخَافُون اللَّه "، وهذان [ التَّأوِيلاَن ]٢ بِنَاء على ما هُوَ المَشْهُور عِنْد الجُمْهُور، من كَوْنِ الرَّجُلَين القَائِلَيْن ذلك من قَوْمِ موسى، وهما : يُوشَعُ بن نُون بن أفرائيم بن يُوسُف فتى مُوسَى، والآخَر : كَالِب بن يوفنا خَتَنُ مُوسَى على أخْتِه مَرْيَم بِنْت عِمْران، وكان من سِبْط يَهُوذَا.
وقيل : الرَّجُلان من الجَبَّارين، ولكن أنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِما بالإيمَانِ حَتَّى قَالاَ هذه المقَالَة يُحَرِّضُونَهُم٣ على قَوْمِهِم لِمُعَادَاتِهِم لهم في الدِّينِ وعلى هذا القَوْل فَيُحْتَمَل أن يكون المَفْعُولُ " يَخَافُون " كما تقدَّم، أي : يَخَافُون اللَّه أو العَدو، والمعنى كما تقدَّم ويُحْتَمَلُ أنَّ في المَفْعُول ضَمِيراً عَائِداً على المَوْصُولِ، ويكون الضَّمِير المَرْفُوع في " يَخَافُون " ضَمِير بَنِي إسْرَائيل، فالتَّقْدير :[ من ]٤ الَّذِين يَخَافُهُمْ بَنُو إسْرَائِيل.
وأيَّدَ الزَّمَخْشَرِيُّ هذا التَّأوِيل بِقرَاءة مَنْ قرأ٥ " يُخافون " مَبْنِيًّا للمَفْعُول [ وبِقَوْلِه أيْضاً ]٦ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهمَا ، فإنَّه قال :" وقراءة مَنْ قَرأ " يُخَافُون " بالضَّمِّ شاهدة له، ولذلك أنْعَم الله عَلَيْهِما، كأنَّه قيل : من المُخَوفين " انتهى.
والقِرَاءةُ المَذْكُورة مَرْوِيَّة عن ابْن عبَّاسٍ، وابن جُبَيْر، ومُجاهد، وأبدى الزَّمَخْشَرِي - أيضاً - في هذه القِرَاءة احْتِمَالاً آخَر، وهو أن تكُون من الإضَافَةِ ومعناه : من الَّذين يَخُوَّفُون٧ من اللَّه بالتَّذْكِرة والمَوْعِظَة، أو يُخَوِّفهم وَعِيد الله بالعقَابِ.
وتَحْتَمِلُ القِرَاءةُ - أيضاً - وجْهاً آخَر، وهو : أن يكُون المَعْنَى : يُخَافون، أي : يُهَابُون [ ويُوَقَّرُون٨، ويُرْجَعُ ] إليهم لِفَضْلِهِم وخَيْرِهِم.
ومع هَذَيْن الاحْتِمَالين الأخِيرَيْن، فلا تَرْجِيحَ في هذه القراءة لِكَون الرَّجُلَيْن من الجبَّارين [ أما قوله كذلك : أنعم الله عليهما ، أي : في كونه مرجّحاً أيضاً لكونهما من الجبارين ] فَغَيْرُ ظاهر، لكون هذه الصِّفَة مُشْتَرَكَة بَيْن يُوشَع٩ وكالب، وبين غيرهما مِمَّن أنْعَمَ اللَّهُ عليه.
قوله : أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهما في هذه الجُمْلَة خَمْسَة أوجُه :
أظهرها : أنَّها صِفةٌ ثانية فمحَلُّها الرَّفْع، وجيءَ١٠ هنا بِأفْصَحِ الاسْتِعْمَالَيْنِ من كونه قدَّمَ الوَصْفَ بالجَارِّ على الوَصْفِ بالجُمْلَةِ لِقُرْبِهِ من المُفْرَد.
والثاني : أنها مُعْتَرَضَةٌ وهو - أيضاً - ظَاهِر.
الثالث : أنَّهَا حالٌ من الضَّمِير في " يَخَافُون " قاله مَكِّي١١.
الرابع : أنَّها حالٌ من " رَجُلانِ "، وجاءت الحالُ من النَّكِرَة، لأنَّها تخصّصت بالوَصْف.
الخامس : أنَّها حالٌ من الضَّمِير المُسْتَتِر في الجَارِّ والمَجْرُور، وهو " مِن الَّذِين " لوُقُوعِهِ صِفَةً لموصُوف، وإذا جَعَلْتَها حَالاً فلا بُدَّ من إضمار١٢ " قَدْ " مع المَاضِي، على خلافٍ سلف [ في المسألة ]١٣.

فصل


قوله : ادْخُلُوا عَلَيْهمُ البَابَ مُبَالغةٌ في الوَعْدِ بالنَّصْر والظفر ؛ كأنَّه قيل : مَتَى دَخَلْتُم باب بَلَدِهِم انْهَزَمُوا، ولَمْ يَبْق منهم أحَدٌ، وإنَّما جَزَمَ هذان الرَّجُلان في قولهما : فَإذَا دَخَلْتُمُوهُ فإنَّكُمْ غَالِبُون ؛ لأنَّهما كان عَارِفَيْن صِدْق مُوسى - عليه السلام -، فلمَّا أخْبَرَهُم مُوسَى بأنَّ الله قال : ادْخُلُواْ الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [ فقد تبيّن أنَّهُ أوْعَدَهُم ]١٤ بأنَّ النُّصْرَة والغَلَبَةَ لَهُمْ، ولِذَلك خَتَمُوا كلامَهُم بقولهم : وعلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنْتُم مُؤمنين ، يعني : توكَّلُوا على اللَّه تعالى في حُصُول هذا النصر لكم إن كُنْتُم مُؤمنين بوجود الإله القَادِرِ، ومُؤمِنِين بِنُبُوَّةِ مُوسَى - عليه السلام -.
١ ينظر: المحرر الوجيز ٢/١٧٥، والدر المصون ٢/٥٠٦..
٢ سقط في أ..
٣ في أ: بحرصهم..
٤ سقط في أ..
٥ ينظر: الكشاف ١/٦٢٠، والبحر المحيط ٣/٤٧٠ والمحرر الوجيز ٢/١٧٥، والدر المصون ٢/٥٠٦..
٦ في أ: وكذلك..
٧ في أ: يخافون..
٨ في أ: ويؤثرون..
٩ سقط في أ..
١٠ في أ: وهي..
١١ ينظر: المشكل ١/٢٢٤..
١٢ في أ: احتمال..
١٣ سقط في أ..
١٤ في أ: قطعا..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية