ﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂ

" فإن يخرجوا منها فإنا داخلون " ونقول : وهل الأمم التي تخطوا إلى الشر وتمارسه يمتنع فيها وجود عناصر الخير ؟ لا، لأن الحق يبقي بعضا من عناصر الخير حتى لا ينطمس الخير وهذا ما يوضحه الحق في بني إسرائيل عندما قالوا لموسى هذا القول فقد خالفهم رجلان منهم.
قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين( ٢٣ ) :
وهما رجلان يخافان النكوص عن أمر الله، بينما بنو إسرائيل كمجموع لم يفهموا عن الله حق الفهم، لأنهم لو نفذوا أمر الله بالدخول إلى الأرض المقدسة ولم ينكصوا لمكنهم الله من ذلك لكن لم يفهم عن الله فيها إلا رجلان وهما كالب ويويشع بن نون أحدهما من سبط يهودا والآخر من سبط افرايم، وهما ابنا يوسف عليه السلام فقد قالا : ما دام الله قد كتب لكم الدخول فهو لا يطلب منا إلا قليلا من الجهاد.
فحين يأمر الله الإنسان بعمل من الأعمال فيكفيه أن يتوجه إلى العمل اتجاها والمعونة من الله وسبحانه يقول للعبد :
( أنا عند ظن عبدي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة )١.
فإن كان الشأن في المشي أن يتعب الذاهب والسائر فالله لا يريد أن يرهق بالمشي من يقصده ويطلبه، لذلك يهرول فضله ورحمته سبحانه إلى العبد فالرغبة الأولى أن يكون العمل لك أنت أيها العبد ومن عظائم فضل الله أنه فعل ونسب إليك. وسبحانه يسعد بالعبد الساعي إليه، وأضرب هذا المثل ولله المثل الأعلى لنفترض أنك أردت أن تمسك سيفا، لماذا لا تحلل المسألة ؟ السيف الذي تمسكه صنعته من الحديد، والحديد استخرجته من الأرض. والحق قال : وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ( من الآية٢٥سورة الحديد ).
إن الحق هو الذي أنزل الحديد، وهو الذي علمنا كيف نصقل الحديد ونشكله بالنار :
وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم ( من الآية٨٠سشورة الأنبياء ).
وأنا أريد من علماء وظائف الأعضاء أن يحددوا لنا ساعة أن يمسك الإنسان بشيء وليكن السيف فبأي عضلة يمسك الإنسان السيف ؟ وكيف يأمرها الإنسان بذلك : وكم عضلة وكم خلية عصبية تحركت من أجل أداء هذا الفعل ؟ على الرغم من أن الإنسان بمجرد إرادته أن يمسك شيئا فهو يمسك به، والإنسان إذا ما مشى خطوة واحدة، فبأي العضلات بدأ المشي.
إن الإنسان عندما يحرك ذراعا آليا في جهاز آلي، يصمم عشرات الوصلات والأدوات والدورات الكهربية من أجل تحريك ذراع آلي، فكم إذن من عضلات في الإنسان تتحرك بالسير لخطوة واحدة ؟ إن الكثير جدا من أجهزة الإنسان تتحرك بالسير لخطوة واحدة، إن الكثير جدا من أجهزة الإنسان تتحرك لمجرد الإرادة منه فإذا كانت إرادة الإنسان تفعل لمجرد أن يريد سواء أكانت هذه الإرادة هي الإمساك بالسيف أم حتى المشي لخطوة واحدة، أم حتى الإمساك بالقلم بين الأصابع للكتابة، فليعلم الإنسان أن الإرادة عطاء من الله والإنسان لا يستطيع تحديد مواقع إرادته من جسده فما بالنا بالحق حين يريد أمرا ؟.
ولنعد إلى الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها الآن : قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين( ٢٢ ) ( سورة المائدة ).
لقد أنعم الله على هذين الرجلين بحسن الفهم عن الله، فقالا لبني إسرائيل : ساعدوا أنفسكم بدخول هذه الأرض وسينصركم الله ومثل الرجلين كمثل الأم التي طلب منها ابنها أن تدعو له بالنجاح فقالت الأم لابنها : سأدعو لك ولكن عليك فقط أن تساعد الدعاء بالإقبال على الاستذكار وكأن الخوف من مخالفة أمر الله نعمة على هذين الرجلين، وكأن الفهم عن الله لعباراته نعمة.
" ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون " كأنهم بمجرد الدخول سيغلبون هؤلاء العمالقة فلم يطلب الله منهم قتال هؤلاء العمالقة بل ساعة يراهم القوم الجبارون يدخلون عليهم فجأة فسوف يذهلهم الرعب.
وهم عندما نسجوا الأساطير حول هذه القصة قالوا : إن أحد هؤلاء العمالقة واسمه عوج بن عناق خرج إلى بستان خارج المدينة ليقطف بعض الثمار لرئيسه فخطف اثنين من هؤلاء الناس وخبأهما في كمه، وألقاهما أمام رئيسه وهو يقدم الفاكهة إليه وقال الرجل العملاق لرئيسه : هذان من الجماعة التي تريد أن تدخل مدينتنا، هذه هي المبالغة التي صنعها خوفهم من هؤلاء العمالقة، برغم أن رجلين منهما أحسنا الفهم عن الله بقولهما : " ادخلوا عليهم الباب "، لأن هذا هو مراد الله، وهو الذي يحقق لهم النصر.
وبعض المفسرين قالوا في شرح هذه الآية : إن الرجلين اللذين قالا ذلك ليسا من بني إسرائيل لأن هؤلاء المفسرين فهموا القول الحكيم " " قال رجلان من الذين يخافون " قالوا هما رجلان من الذين يخاف منهم بنو إسرائيل، وقالا لبني إسرائيل : لا يخيفكم ولا يرهبكم عظم أجسام هؤلاء فإن جنود الله ستنصركم :
وما يعلم جنود ربك إلا هو ( من الآية٣١سورة المدثر ).
ويختتم الحق الآية بهذا التذييل : " وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين " أي لا تتوقفوا عند حساب العدد في مواجهة العدد، والعدة في مواجهة العدة، ولكن احسبوا الأمر إيمانا لأن الله معكم " إن تنصروا الله ينصركم ". وهو سبحانه القائل : وإن جندنا لهم الغالبون١٧٣ ( سورة الصافات ).

١ رواه البخاري ومسلم (متفق عليه)
.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير