وقوله تعالى : [ قَالَ ]١ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ [ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ]٢ لما دعا عليهم موسى، عليه السلام، حين نكَلُوا عن الجهاد حكم الله عليهم بتحريم دخولها قدرًا مدة أربعين سنة، فوقعوا في التيه يسيرون دائمًا لا يهتدون للخروج منه، وفيه كانت أمور عجيبة، وخوارق كثيرة، من تظليلهم بالغَمام وإنزال المن والسلوى عليهم، ومن إخراج الماء الجاري من صخرة صماء تحمل٣ معهم على دابة، فإذا ضربها موسى بعصاه انفجرت من ذلك الحجر اثنتا عشرة٤ عينا تجري لكل شعب عين، وغير ذلك من المعجزات التي أيد الله بها موسى بن عمران. وهناك أنزلت التوراة، وشرعت لهم الأحكام، وعملت قبة العهد، ويقال لها : قبة الزمان.
قال يزيد بن هارون، عن أصبغ بن زيد٥ عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير : سألت ابن عباس عن قوله : فَإِنَّهَا٦ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ الآية. قال : فتاهوا في الأرض أربعين سنة، يصبحون كل يوم يسيرون ليس لهم قرار، ثم ظلل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المن والسلوى وهذا قطعة من حديث " الفتون "، ثم كانت وفاة هارون، عليه السلام، ثم بعده بمدة ثلاثة سنين مات موسى الكليم، عليه السلام، وأقام الله فيهم " يوشع بن نون " عليه السلام، نبيا خليفة عن موسى بن عمران، ومات أكثر بني إسرائيل هناك في تلك المدة، ويقال : إنه لم يبق منهم أحد سوى " يوشع " و " كالب "، ومن هاهنا قال بعض المفسرين في قوله : قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ هذا وقف تام، وقوله : أَرْبَعِينَ سَنَةً منصوب بقوله : يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ فلما انقضت المدة خرج بهم " يوشع بن نون " عليه السلام، أو بمن بقي منهم وبسائر بني إسرائيل من الجيل الثاني، فقصد٧ بهم بيت المقدس فحاصرها، فكان فتحها يوم الجمعة بعد العصر، فلما تَضَيَّفَتِ الشمس للغروب، وخَشي دخول السبت عليهم قال٨ " إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها عليَّ "، فحبسها الله تعالى حتى فتحها، وأمر الله " يوشع بن نون " أن يأمر بني إسرائيل، حين يدخلون بيت المقدس، أن يدخلوا بابها سُجّدا، وهم يقولون : حطّة، أي : حط عنا ذنوبنا، فبدلوا ما أمروا به، فدخلوا٩ يزحفون على أستاههم، وهم يقولون : حَبَّة في شَعْرة، وقد تقدم هذا كله في سورة البقرة.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي عمر العَدَنِيُّ، حدثنا سفيان، عن أبي سعيد، عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس قوله : فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ قال : فتاهوا أربعين سنة، فهلك موسى وهارون في التيه وكل من جاوز الأربعين سنة، فلما مضت الأربعون سنة ناهضهم " يوشع بن نون "، وهو الذي قام بالأمر بعد موسى، وهو الذي افتتحها، وهو الذي قيل له :" اليوم يوم الجمعة " فهَمُّوا بافتتاحها، ودنت١٠ الشمس للغروب، فخشي إن دخلت ليلة السبت أن يسبتوا، فنادى الشمس :" إني مأمور وإنك مأمورة " فوقفت حتى افتتحها، فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط، فقربوه إلى النار فلم تأت فقال : فيكم الغلول، فدعا رءوس الأسباط، وهم اثنا عشر رجلا فبايعهم، والتصقت يد رجل منهم بيده، فقال : الغلول عندك، فأخرجه فأخرج رأس بقرة من ذهب، لها عينان من ياقوت، وأسنان من لؤلؤ، فوضعه مع القربان، فأتت النار فأكلتها.
وهذا السياق له شاهد في الصحيح. وقد اختار ابن جرير أن قوله : فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ هو العامل في " أربعين سنة "، وأنهم مَكَثوا لا يدخلونها أربعين سنة، وهم تائهون في البرية لا يهتدون لمقصد. قال : ثم خرجوا مع موسى، عليه السلام، ففتح بهم بيت المقدس. ثم احتج على ذلك قال : بإجماع علماء أخبار الأولين أن١١ عوج بن عنق " قتله موسى، عليه السلام، قال : فلو كان قتله إياه قبل التيه لما رهبت بنو إسرائيل من العماليق، فدل على أنه كان بعد التيه. قال : وأجمعوا على أن " بلعام بن باعورا " أعان الجبارين بالدعاء على موسى، قال : وما ذاك إلا بعد التيه ؛ لأنهم كانوا قبل التيه لا يخافون من موسى وقومه هذا استدلاله، ثم قال :
حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا ابن عطية، حدثنا قَيْس، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : كانت عصا موسى عشرة أذرع، ووثبته عشرة أذرع، وطوله عشرة أذرع، فوثب فأصاب كعب " عوج " فقتله، فكان جسرًا لأهل النيل سنة. ١٢
وروي أيضا عن محمد بن بَشّار، حدثنا مُؤَمَّل، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن نَوْف البِكالي قال : كان سرير " عوج " ثمانمائة١٣ ذراع، وكان طول موسى عشرة أذرع، وعصاه عشرة أذرع، ووثب في السماء عشرة أذرع، فضرب " عوجا " فأصاب كعبه، فسقط ميتا، وكان جسْرًا للناس يمرون عليه. ١٤
وقوله تعالى : فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ تسلية لموسى، عليه السلام، عنهم، أي : لا تتأسف ولا تحزن عليهم فمهما١٥ حكمت عليهم، به فإنهم يستحقون ذلك.
وهذه القصة تضمنت تقريع اليهود وبيان فضائحهم، ومخالفتهم لله ولرسوله ونكولهم عن طاعتهما، فيما١٦ أمرهم١٧ به من الجهاد، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم، ومقاتلتهم، مع أن بين أظهرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكليمه وصفيه من خلقه في ذلك الزمان، وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم، هذا ؛ وقد شاهدوا ما أحل الله بعدوهم فرعون من العذاب والنكال والغرق له ولجنوده في اليم، وهم ينظرون لتَقَرَّ به أعينهم وما بالعهد من قدم، ثم ينكلون عن مقاتلة١٨ أهل بلد هي بالنسبة إلى ديار مصر لا توازي عشر المعشار في عدّة أهلها وعُدَدهم، فظهرت١٩ قبائح صنيعهم للخاص والعام، وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل، ولا يسترها الذيل، هذا وهم في٢٠ جهلهم يعمهون، وفي غَيِّهم يترددون، وهم البُغَضَاء إلى الله وأعداؤه، ويقولون مع ذلك : نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة : ١٨ ] فقبح الله وجوههم التي مسخ منها الخنازير والقرود، وألزمهم لعنة تصحبهم إلى النار ذات الوقود، ويقضي لهم فيها بتأبيد الخلود، وقد فعل وله الحمد من٢١ جميع الوجود.
٢ زيادة من ر، وفي هـ: "الآية"..
٣ في ر: "تحتمل"..
٤ في ر، أ: "اثنا عشر"..
٥ في ر، أ: "يزيد"..
٦ في ر، هـ: "إنها"، والصواب ما أثبتناه..
٧ في أ: "يقصد"..
٨ في أ: "فقال"..
٩ في أ: "ودخلوا"..
١٠ في أ: "وقربت"..
١١ في ر: "وأن"..
١٢ في أ: "سنين"..
١٣ في ر، أ: "ثلثمائة".
.
١٤ حديث عوج بن عنق حديث طويل باطل، ولا يصح ما ذكر عن أوصافه، وقد تكلم عليه الإمام ابن القيم - رحمه الله - في المنار المنيف (ص٧٦) بما يكفي..
١٥ في أ: "فيما"..
١٦ في ر: "في الذي"..
١٧ في أ: "أمرهما"..
١٨ في أ: "معاملة"..
١٩ في ر: "وظهرت"..
٢٠ في أ: "من"..
٢١ في أ: "في"..
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة