ﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁ

فَافْرُقْ فافْصِلْ.
بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ بأنْ تحكمَ لنا بما نستحقُّهُ، وتحكمَ عليهم بما يستحقُّونَ، قالَه شَكْوى بَثِّهِ وحزنِهِ إلى اللهِ تعالى لما خالفَهُ قومُه، ولم يبقَ مَعُه مرافقٌ له (١) غيرُ أخيهِ هارونَ عليه الصلاة والسلام، والرجلانِ المذكورانِ.
...
قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦).
[٢٦] قَالَ اللهُ تعالى.
فَإِنَّهَا أي: الأرضَ المقدسةَ.
مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ممنوعةٌ منهم (٢) لا يدخلونَها بسببِ عصيانِهم.
أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ يتردَّدون فيها متحيِّرينَ.
فَلَا تَأْسَ تحزنْ.
عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ خاطبَ بهِ موسى عليه الصلاة والسلام لما ندمَ على الدُّعاء عليهم، فلبثوا أربعينَ سنةً في ستةِ فراسخَ يسيرونَ كلَّ يومٍ جادِّينَ، فإذا أَمْسَوْا، كانوا في الموضِعِ الذي ارتحلُوا عنهُ، وكانوا ستَّ مئةِ ألفِ مقاتلٍ. والتيهُ: أرضٌ بالقربِ من أيلةَ التي هي حدُّ أرضِ (٣) الحجازِ من

(١) "له" زيادة من "ظ".
(٢) "منهم" زيادة من "ظ".
(٣) "أرض" زيادة من "ظ".

صفحة رقم 276

جهةِ الشامِ، وطولُ أرضِ (١) التيهِ نحوٌ من ستةِ أيام، والصحيحُ أنَّ موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام كانا في التيه، ولم يكنْ عقوبةً لهما، بل كانَ راحةً ورحمةً؛ كإبراهيمَ عليه الصلاة والسلام حين أُلقيَ في النار، وماتَ هارونُ عليه السلام في التيه، كما تقدَّم في أواخرِ سورةِ النساءِ، ولم يحضر بنو إسرائيلَ موتَه، فاتهموا موسى بقتلِه، فقالَ لهم: يا سفهاءَ بني إسرائيلَ! ماذا لقيتُ منكم؟ أقتلُ أخي وشقيقي وعَضُدي؟! ثم دعا اللهَ تعالى أن يبرئَهُ عندَهم من ذلك (٢)، فأمر اللهُ الملائكةَ أن يحملوا سريرَ هارون الذي وُضعَ عليهِ بداخلِ الكهفِ الذي دُفنَ فيه، فحملوه في الهواء بينَ السماءِ والأرض، ونادتِ الملائكةُ: يا بني إسرائيلَ! لا تتَّهِموا موسى بقتلِ أخيهِ هارونَ (٣)، فهذا سريرُه قد قبضَهُ اللهُ تعالى، فحزنَ بنو إسرائيلَ على موته؛ لأنه كانَ محبوبًا عندَهم، ولم يدخلِ الأرضَ المقدسةَ أحدٌ مِمَّنْ قالَ: إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا، فلما انقرضوا على رأسِ أربعينَ سنةً، سارَ موسى بالمؤمنينَ نحوَ القريةِ إلى بابِ حِطَّةَ، ومكتوبٌ عليه اسمُ اللهِ الأعظمُ، وأقبلَ المؤمنون فسجَدُوا عندَ الباب، ودخلَ أولادُ الفاسقينَ، وبدَّلوا قولًا غيرَ الذي قِيلَ لهم كما تقدَّم في سورةِ البقرةِ، وغلبَ موسى على مدينةِ أَريحا، ثم تُوفي موسى بعدَ وفاةِ هارونَ بأحدَ عشرَ شهرًا.
وفي "الصحيح" من حديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: "أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى، فَلَمَّا جَاءَهُ، صَكَّهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ عز

(١) "أرض" زيادة من "ظ".
(٢) "من ذلك" زيادة من "ظ".
(٣) "هارون" زيادة من "ظ".

صفحة رقم 277

وجل، فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لاَ يُرِيدُ الْمَوْتَ! قَالَ (١): فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجعْ وَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِكُل مَا غَطَّتْ بهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَة، قَالَ: أَيْ رَبّ! ثُمَّ ماذا؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ، قَالَ: فَالآنَ، فَسَأَلَ اللهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: فَلَوْ كُنْتُ ثَمَ، لأَرَيْتكمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثيبِ الأَحْمَرِ" (٢)، وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ قَدْرُ عمرِه، وتاريخُ وفاتِه، ومحلُّ قبرِهِ عندَ تفسيرِ قوله تعالى: وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [البقرة: ٥١].
ولما تُوفي موسى عليه السلام، قامَ بعدَ وفاتِه بتدبيرِ بني إسرائيلَ يوشعُ بنُ نون، بعثَه اللهُ نبيًّا، وأمرَهُ بقتلِ الجبارين، فتوجَّهَ ببني إسرائيلَ إلى أَريحا، وأحاطَ بها ستةَ أشهرٍ، فلما كانَ الشهر (٣) السابعُ، نفخوا في القرونِ، وضجَّ الشعبُ ضجةً واحدةً، فسقطَ السورُ، ودخلوا، فقاتلوهم، وهجموا على الجبارينَ فهزموهم وقتلوهم، وكان ذلكَ في (٤) يومِ الجمعةِ، وقد بقيتْ منهم بقيةٌ، وكادتِ الشمسُ تغرُبُ وتدخلُ ليلةُ السبتِ، فدعا يوشعُ وقال: اللهمَّ ارْدُدِ الشمسَ عليَّ، وسألَ الشمسَ أن تقفَ، والقمرَ أن يقيمَ (٥) حتى ينتقمَ من أعداءِ اللهِ قبلَ دخولِ السبتِ (٦)، فوقفتِ الشمسُ،

(١) "قال" ساقطة من "ظ".
(٢) رواه البخاري (١٢٧٤)، كتاب: الجنائز، باب: من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها، ومسلم (٢٣٧٢)، كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى عليه السلام.
(٣) "الشهر" زيادة من "ظ".
(٤) "ذلك في" زيادة من "ظ".
(٥) في "ظ": "يقتمر".
(٦) "قبل دخول السبت" ساقطة من "ظ".

صفحة رقم 278

فتح الرحمن في تفسير القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

أبو اليمن مجير الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي الحنبلي

تحقيق

نور الدين طالب

الناشر دار النوادر (إصدَارات وزَارة الأوقاف والشُؤُون الإِسلامِيّة - إدَارَةُ الشُؤُونِ الإِسلاَمِيّةِ)
سنة النشر 1430 - 2009
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 7
التصنيف التفسير
اللغة العربية