ﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁ

المعنى الجملي : بعد أن أقام سبحانه الحجة على بني إسرائيل وأثبت لهم رسالة نبيه صلى الله عليه وسلم بما أوحاه إليه بشأنهم وشأن كتبهم وأنبائهم من البشارات وأخبار الغيب وتحريف الكتب ونسيان حظ منها وأيد ذلك بدحض شبهاتهم وإبطال غرورهم وهم مع كل هذا لم يزدادوا إلا كفرا وعنادا – قص علينا في هذه الآيات خبرا من أخبارهم مع موسى عليه السلام وهو المنقذ لهم من الرق والعبودية واضطهاد المصريين لهم إلى الحرية والاستقلال لكنهم مع هذا كله كانوا يخالفونه ويعصون أوامره- ليعلم الرسول صلوات الله وسلامه عليه أن مكابرتهم للحق خلق من أخلاقهم توارثوها من أسلافهم وتأصلت في طباعهم فلا بدع إذا هم أعرضوا عن دعوتك وصدوا عن هديك – وفي هذا من تسلية النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى إلى ما فيه من زيادة معرفة طبائع الأمم وسنن الاجتماع البشري.
قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض التيه : الحيرة يقال تاه يتيه : إذا تحير ومفازة تيهاء إذا تحير فيها سالكها لعدم الأعلام التي يهتدي بها والتحريم : المنع أي قال الله لموسى مجيبا دعوته : إن الأرض المقدسة محرمة على بني إسرائيل تحريما فعليا لا تكليفا شرعيا مدة أربعين سنة يتيهون فيها في الأرض : أي يسيرون فيها في برية تائهين متحيرين لا يدرون أين مصيرهم.
{ فلا تأس على القوم الفاسقين الأسى : الحزن يقال أسيت عليه أسى وأسيت له أي فلا تحزن عليهم لأنهم فاسقون متمردون مستحقون لهذا التأديب الإلهي.
جاء في هذا الفصل الرابع من سفر العدد أن بني إسرائيل لما تمردوا وعصوا أمر ربهم سقط موسى وهارون على وجوههما أمامهم وأن يوشع وكالب مزقا ثيابهما ونهيا الشعب عن التمرد وعن الخوف من الجبارين ليطيه فهم الشعب برجمهما وظهر مجد الرب لموسى في خيمة الاجتماع ( وقال الرب لموسى : حتى متى يهينني هذا الشعب ؟ حتى متى لا يصدقونني بجميع الآيات التي علمت في وسطهم ؟ إني أضربهم بالوباء وأبيدهم وأصيرك شعبا أكبر وأعظم منهم ) فشفع موسى فيهم لئلا يشمت بهم المصريون وبه فقبل الرب شفاعته قال ( إن جميع الرجال الذين رأوا مجدي وآياتي التي عملتها في مصر وفي البرية وجربوني الآن عشر مرات ولم يسمعوا قولي لن يروا الأرض التي خلفت لآبائهم وجميع الذين أهانوني لا يرونها ) واستثنى الرب كالبا فقط ثم قال :( أنا الرب قد تكلمت لأفعلن هذا بكل هذه الجماعة الشريرة المتفقة علي في هذا القفر يفنون وفيه يموتون ).
و إن في هذا العقاب الإلهي لعبرة لأولي الألباب يستفيدون منها أن الشعوب التي تنشأ في مهد الاستعباد تذهب أخلاقها ويذهب بأسها وتضرب عليها الذلة والمسكنة وتأنس بالمهانة وإذا طال عليها الأمد أصبحت تلك الصفات عزائز وطباعا خلقية لها فإذا خرجوا من بئتهم ورفع عنهم نير الظلم والاستعباد حنوا على ما كانوا فيه وتاقت نفوسهم إلى الرجوع إليه وهذا شأن البشر في جميع ما يألفون ويجرون عليه من خير وشر.
و قد أفسد ظلم الفراعنة فطرة بني إسرائيل في مصر وطبع عليهم بطابع الذلة والمهانة وقد أراهم الله تعالى ما لم ير أحدا من الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته وصدق رسوله موسى عليه السلام وبين لهم أنه أخرجهم من مصر لينقذهم من العبودية إلى نعيم الحرية ومع هذا كله كانوا إذا أصابهم نصب أو جوع أو كلفوا أمرا يشق عليهم يتطيرون بموسى ويذكرون مصر ويحنون إلى العودة إليها وحين غاب عنهم لم لمناجاة ربه اتخذوا لهم عجلا من حليهم وعبدوه وكان الله يعلم أن نفوسهم ميتة لا تطيعهم على دخول أرض الجبارين وأن وعده تعالى لأجدادهم إنما يتم إذا هلك ذلك الجيل الذي نشأ في الوثنية نشأ بعده جيل جديد يعيش في حرية البداوة وعدل الشريعة.
و على هذه السنة العادلة أمر الله بني إسرائيل بدخول الأرض المقدسة بعد أن أراهم عجائب تأييده لرسوله لكنهم أبوا واستكبوا فأخذهم بذنوبهم وأنشأ من بعدهم قوما آخرين جعلهم الأئمة الوارثين بهممهم الموافقة لسنته في الاجتماع.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير