فهل كان التحريم مدته أربعون عاما ؟ أو أنه قال : " إنها محرمة عليهم " وانتهى الأمر لأنهم تأبوا على أن يدخلوها ؟ ولذلك فكل الذين قالوا : " لن ندخلها أبدا ماداموا فيها " لم يعش منهم أحد ليدخل هذه الأرض. وبعد ذلك صدر الحكم الآتي : " أربعين سنة يتيهون في الأرض " فهل هذا القول هو استئناف للقول السابق فيكون ظرفا ل " محرمة " أو هو حكم منفصل ؟.
تصح هذه، وتصح تلك والتيه هو كما نقول : فلان تاه أي سار على غير هدى ولا يعرف لنفسه مدخلا ولا مخرجا، والواحد عندما يدخل في مجال متشعب المسالك ومتعرج الطرقات فهو لا يعرف كيفية الخروج منه، هذا هو التيه، ولكن كم فرسخا هي مساحة التيه ؟ حددها العلماء بستة فراسخ والفرسخ قدر ثلاثة أميال، كيف يتيهون في تلك المساحة الضيقة من الأرض ؟.
لقد أراد الله ذلك، لأنهم ساعة يمشون ويرهقون فينامون ويأتي عليهم الصباح ليجدوا أنفسهم عند النقطة التي بدؤوا منها، وكانوا يضعون العلامات لإيضاح الطريق، لكنهم كل صباح كانوا يجدون العلامات قد انتقلت من مكانها وظلوا على هذا الموضع وفي هذا التيه إلى الأمد والوقت الذي حدده الله وهو أربعون سنة يتيهون في الأرض وحين يؤدب الله عاصيا يحفظ له من القوت والرزق ما يبقي به حياته ولو كان كافرا لأنه سبحانه هو الذي استدعاهم إلى الوجود، ولهذا لم يضن عليهم في التيه بما لم يضن به على الكافرين به سبحانه.
إذن حفظ الحياة أمر ضروري وعندما يرتكب إنسان ما ذنبا كبيرا في حق المجتمع فإننا نضعه في السجن، ولكننا نطعمه ونسقيه وعندما يرتقي المجتمع الإنساني، فهو يوفر للسجين عملا يتناسب مع مواهبه ويحبس عنه حرية الحركة في المجتمع، والسجين المذنب يظل في السجن، ولكنه يأكل ويشرب وينام ويعمل، فقط تختلف المسألة في النقطة المهمة في الحياة وهي أن يتحرك المتحرك وفق حريته، فما بالنا بالحق الأعظم عندما سجنهم في التيه ؟ لقد أطعمهم الله وسقاهم وأنزل عليهم المن والسلوى.
وقد يقول قائل : إن الله قد أنزل عليهم المن والسلوى ليعيشوا كسالى وغرقى في التكبر والغرور، ونقول : لا، فذلك الإجراء الإلهي من ضمن حكمه البالغة أن يطيل عليهم الوقت، فلو أنه سبحانه وتعالى قد جعلهم يزرعون ويحرثون لانشغلوا بأمور الحياة اليومية، لكن الحق أراد أن يطيل عليهم الإحساس بالزمن، فالمسألة ليست طعاما وشرابا ولكن هناك كرامة فوق الطعام وفوق الشراب.
إننا نرى ذلك عندما نسمع عن اعتقالات لبعض الأفراد الذين أساءوا للمجتمع وتسمح لهم السلطات بالطعام الذي يأتيهم من منازلهم، ولكن هؤلاء المعتقلين يشعرون بالضيق من تقييد الحركة، إذن أراد الحق لهم عقابا صارما في فترة التيه، ولذلك نجد بعضهم يحسب المسألة والزمن في فترة التيه فيقول الواحد منهم ما ذكره الحق : وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي ( من الآية١٤٢من سورة الأعراف ).
وبعد أن رحل موسى عن القوم عبدوا العجل الذي صنعه لهم موسى السامري، وعاد إليهم موسى وعاتب أخاه هارون العتاب القاسي، وعاقبهم ربهم على كفرهم أربعين سنة كأن كل يوم من عبادة العجل صار سنة من العقاب في التيه، ولأنه رب ورحيم لم يتركهم دون أن يحفظ لهم حياتهم بالقوت، فكان القوت هو المن والسلوى، هل كان موسى عليه السلام معهم في التيه أم لا ؟ وهل مات معهم في التيه أم لا ؟ تلك أسئلة لا تهمنا الإجابة عنها بالرغم من أن بعض العلماء قد شغلوا أنفسهم بها، فتلك أمور لا تنفع ولا تضر المهم أن بني إسرائيل لم يدخلوا أريحا إلا على يد يوشع بن نون بعد الأربعين سنة : قال ربي إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين( ٢٥ )قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين( ٢٦ ) ( سورة المائدة ).
ولنا أن نقرأ هذا القول الحكيم كما يلي :" قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين، قال فإنها محرمة عليهم " وهذا الوقف يعطينا الفهم بأن الأرض المقدسة صارت محرمة عليهم إلى الأبد، وبعد ذلك يأتي أمر الله بعقابهم في التيه أربعين سنة " أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين " أما لو قرأنا هذا القول الحكيم كما يلي : " قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين " فهذه القراءة تتيح لنا الفهم بأن مدة العقاب لهؤلاء القوم الفاسقين أربعون سنة في التيه ودخلوا بعدها مدينة أريحا.
ويأمر الحق موسى ألا يحزن على هؤلاء القوم الفاسقين، ذلك أن موسى عليه السلام عندما دعا الله بقوله : فافرق بيننا انتابه قدر من الضيق من هذا الدعاء وقال لنفسه لماذا لم أدع لهم بالهداية بدلا من أدعو بالفراق ؟، ولذلك قال له الحق :" فلا تأس على القوم الفاسقين " أي فلا تحزن عليهم لأنهم أولى بالعذاب لفسقهم ومخالفتهم.
تفسير الشعراوي
الشعراوي