و " اللاَّم " في قوله :" لَئِنْ بَسَطْتَ " هي المُوَطِّئة.
وقوله : مَا أنَا بِبَاسِط جوابُ القسم المَحْذُوف، وهذا على القاعِدَة المُقَرَّرةِ من أنَّه إذا اجْتَمَع شَرْطٌ وقسمٌ أجِيبَ سابقُهما إلا في صُورة تَقدّم التَّنْبِيه عليها١.
وقال الزَّمَخْشَرِي٢ :" فإن قلت : لِم جاء الشَّرْط بلفظ الفِعْل، والجزاء بلفظ اسم الفاعل، وهو قوله " لَئِنْ بَسَطْتَ "، ما أنَا بِبَاسِطٍ ؛ قلت : ليفيد أنه لا يفعلُ هذا الوَصْفَ الشَّنِيع، ولذلك أكَّدَهُ ب " الباء " المفيدة لِتَأكِيد النَّفْي ".
وناقَشَهُ أبُو حيَّان٣ في قوله :[ إنَّ ]٤ ما أنا بِبَاسِطٍ جزاء للشَّرْط.
قال : لأنَّ هذا الجواب لِلقَسَم لا للشَّرط قال :" لأنه لو كان جواباً للشَّرط للزمته الفاء لِكَوْنه منفيًّا ب " ما " والأداة جَازِمة، وللزِمَهُ أيضاً تلك القَاعِدة، وهو كَوْنه لم يجب الأسْبَق منهما " وهذا ليس بشيء ؛ لأن الزَّمَخْشَرِيَّ سماه جزاء للشَّرط لما كان دالاًّ على جزاء الشَّرْط، ولا نَكِيرَ في ذلك [ ولكنه مُغْرى بأن يقال : قد اعترض على الزَّمَخْشَرِي ]٥.
وقال أيضاً : وقد خالف الزمخشريّ كلامه هنا بما ذكره في " البَقَرة " في قوله تعالى وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ [ البقرة : ١٤٥ ]، من كونه جعله جواباً للقسم سادًّا مسدّ جوابِ الشَّرْط، وقد تقدَّم بحثه مَعَهُ هناك.
فصل في معنى الآية
ومعنى قوله " بَسَطْتَ " أي : مَددْتَ إليَّ يدكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنَا بباسطٍ يدي إليْكَ لأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ الله ربَّ العالمِين " ٦ قال عبدُ الله بن عمرو - رضي الله عنهما - : وايمُ الله إن كان المَقْتُول أشدَّ الرَّجُلَين، ولكن مَنَعَهُ التَّحَرُّج أن يَبْسُطَ إلى أخيه يده٧، وهذا في الشَّرْعِ جَائِز لمن أُريد قَتْلُهُ أن يَنْقَاد ويَسْتَسْلِم طلباً للأجْر، كما فعل عُثْمان - رضي الله تعالى عنه - وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمحمَّد بن مسلمة - رضي الله عنه - " ألق كمك على وجهك وكن عبد الله المَقْتُول ولا تكن عبد الله القاتِل " ٨.
وقال مجاهد :" كتب عليهم في ذلك الوَقْتِ إذا أراد رَجُلٌ قَتْلَ رجل أنَّه لا يَمْتَنِع ويصْبر " ٩.
٢ ينظر: الكشاف (١/٦٢٥)..
٣ ينظر: البحر المحيط ٣/٤٧٧..
٤ سقط في أ..
٥ سقط في أ..
٦ قال أحد العلماء: الدافع عن نفسه يجب عليه أن يدفع بالأيسر فالأيسر، وليس له أن يقصد القتل بل يجب عليه أن يقصد الدفع، ثم إن لم يندفع إلا بالقتل جاز له ذلك.
ينظر: تفسير الرازي ١١/١٦٣، القرطبي ٦/٩٠..
٧ أخرجه الطبري في تفسيره" (٤/٥٣٢) عن عبد الله بن عمرو..
٨ له شواهد من حديث خباب بن الأرت وابن مسعود وغيرهما وقد ذكرها جميعا السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٧٥) والعجلوني في كشف الخفا (٢/١٣٤)..
٩ أخرجه الطبري في "تفسيره"(٤/٥٣٢) عن مجاهد، وينظر: تفسير الرازي ١١/١٦٣..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود