ﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮ

جاءت هذه القصة في سياق الكلام على أهل الكتاب، وشأنهم مع النبي صلى الله عليه وسلم. والقرآن بين قصة بني إسرائيل الذين عصوا ربهم فيما كلفهم من قتال الجبارين، وبين ما شرعه الله من جزاء الذين يخرجون على أئمة العدل، ويهددون الأمن، ويفسدون في الأرض، وما يتلوه من عقاب السرقة.
فمناسبة هذه الآية للسياق في جملته، أنها بيان لكون الحسد الذي صرف اليهود عن الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وحملهم على عداوته، عريق في الآدميين وأثر من آثار من سلفهم، كان لهؤلاء القوم منه النصيب الأوفر، ويتضمن تسلية النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وإزالة استغرابهم إعراض هذا الشعب عن الإسلام، على وضوح برهانه، وكثرة آياته. وأما مناسبتها لما قبلها وما بعدها مباشرة فهو بيان حكمة الله في شرع القتال والقود، على ما شدد فيه من تحريم قتل النفس. ذلك أنه لما كان القتال بين الأمم، وقتل الحكومات للأفراد، أو تعذبيهم بقطع الأطراف – كل ذلك قبيحا في نفسه، كان من مقتضى رحمة الله تعالى وحكمته، أنه لا يباح إلا لدرء ما هو أقبح منه وأضر.
وكان من كمال الدين أن يبين لنا حكمة ذلك، فجاءت هذه القصة في هذا المقام تبين لنا أن اعتداء بعض البشر على بعض حتى بالقتل هو أصيل فيهم، وقع بين أبناء أبيهم آدم في أول العهد بتعددهم، لأنه أثر من آثار ما جبلوا عليه من كون أعمالهم باختيارهم، حسب إرادتهم التابعة لعلمهم أو ظنهم، وكون علومهم وظنونهم من كسبهم، وكونها لا تبلغ درجة الإحاطة بمصالحهم ومنافعهم، وكذا ما جبلوا عليه من حب الكمال، وما يتبعه من حسد الناقص لمن يفوقه في الفضائل والأعمال، وكون الحاسد يبغي إن قدر، وما لم يزعه الدين أو يمنعه القدر، وهو لا يبغي ولا يقتل إلا وهو يظن أن ذلك خير له وأنفع، وأنوه بقدره وأرفع، ومثل هذا الظن لا يزول من الناس، إلا إذا أحاط كل فرد من أفرادهم علما بكل شؤون المعاش والمعاد، وارتباط المنافع الشخصية بمنافع الاجتماع، وأقاموا الدين القيم كلهم على الوجه الذي أراده الله، وكل ذلك محال لأن طبيعة البشر تأباه. فهم يخلقون متفاوتين في الاستعداد للعلم، وما يرد على أنفسهم من صور المعلومات بأنواعها يختلف، وما يتحد منه يختلف تأثيره الذي يترتب عليه العمل.
فالاختلاف في العلم والرأي والشعور والوجدان طبيعي فيهم، ومن لوازمه النافعة اشتغال كل فريق منهم بنوع من أنواع الأعمال، بذلك يظهرون أسرار الله وحكمه في الكائنات، وينتفعون بما سخره لهم من أنواع المخلوقات، ومن لوازمه الضارة التخاصم والتقاتل، لأجل هذا صاروا محتاجين إلى الحكام والشرائع. وكان من عدل الشريعة أن تبني أحكام قتل الأفراد وقتال الشعوب على قواعد درء المفاسد وإقامة المصالح. ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدات الأرض [ البقرة : ٢٥١ ] – فهذا الآيات في هذا الموضع مبينة لحكم ما قبلها، وما بعدها من الأخبار والأحكام.
وقال ابن جرير وتبعه بعض المفسرين أن هذه الآيات متعلقة بقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ [ المائدة : ١١ ] الآية. وقال بعضهم إنها متعلقة بقوله تعالى وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ [ المائدة : ١٨ ] الآية. وما قلناه أكمل، وأعم وأشمل.
ثم إنه بعد بيان هذه الحقيقة والتقرب إليه، بين له حقيقة أخرى وهي ما يجب للناس ولاسيما الإخوة بعضهم على بعض من احترام الدماء وحفظ الأنفس فقال : لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ . أي بين له حاله وما تقتضيه من عدم مقابلته على جنايته بمثلها، مؤكدا ذلك بالقسم وبجملة النفي الاسمية والمقرون خبرها بالباء، وهو أنه إن بسط يده ليقتله بها، لا يجزيه بالسيئة سيئة مثلها، وإن هذه الجناية لا تأتي منه ولا تتفق مع صفاته وشمائله، ذلك بأنه لم يعبر عن نفسه بصيغة الفعل المضارع المنفي كما عبر بالماضي المثبت عن عمل أخيه، - وهو المتبادر في مقابلة الشيء بضده- بل قال ( ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك ) أي لست بالذي يتصف بهذه الصفة المنكرة المنافية لتقوى الله تعالى، ولا شك أن نفي الصفة أبلغ من نفي الفعل، الذي هو عبارة عن الوعد بالترك، لأنه عبارة عن وعد مؤكد ببيان سببه.
ثم أكده تأكيدا آخر ببيان علته وهو قوله إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أن يراني باسطا يدي إلى الإجرام وسفك الدم بغير حق، فإن ذلك يسخطه ويكون سبب عقابه، لأنه رب العالمين الذي يغذيهم بنعمه، ويربيهم بفضله وإحسانه، فالاعتداء على أرواحهم أعظم مفسدة لهذه التربية ومعارض لها في بلوغ غاية استعدادها، ومن يخاف الله لا يعتدي هذا الاعتداء. وهذا الجواب من الأخ التقي يتضمن أبلغ الموعظة وألطف الاستعطاف لأخيه العازم على الجناية، ولا يقال : إنه كان يجوز له الدفاع عن نفسه ولو بقتل الصائل عليه- حتى يحتاج إلى الجواب بأن شرع آدم لم يكن يبيح ذلك، فإن هذا من الرجم بالغيب، والدفاع قد يكون بما دون القتل، وليس في الكلام تصريح بعدم الدفاع البتة، وإنما فيه التصريح بعدم الإقدام على القتل، وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار. قيل : يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : إنه كان حريصا على قتل صاحبه١ رواه أحمد والشيخان وغيرهم.

١ أخرجه البخاري في الإيمان باب ٢٢، والفتن باب ١٠، والديانات باب ٢، ومسلم في الفتن حديث ١٤، ١٥، وأبو داود في الفتن باب ٥، والنسائي في التحريم باب ٢٩، وابن ماجه في الفتن باب ١١، وأحمد في المسند ٤/٤٠١، ٤٠٣، ٤١°، ٤١٨..

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير