ثم أخبر تعالى بما أعد لأعدائه الكفار من العذاب والنكال يوم القيامة، فقال : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أي : لو أن أحدهم جاء يوم القيامة بملء الأرض ذهبًا، وبمثله ليفتدي بذلك من عذاب الله الذي قد أحاط به١ وتيقن وصوله إليه٢ ما تُقُبل ذلك منه٣ بل لا مندوحة عنه ولا محيص له ولا مناص٤ ؛ ولهذا قال : وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أي : موجع.
رواه مسلم والنسائي٣ من طريق حماد بن سلمة٤ بنحوه. وكذا رواه البخاري ومسلم٥ من طريق معاذ بن هشام الدَّسْتَوائي، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس، به. وكذا أخرجاه٦ من طريق أبي عمران الجَوْني، واسمه عبد الملك بن حبيب، عن أنس بن مالك، به. ورواه مَطَر الورَّاق، عن أنس بن مالك، ورواه ابن مردويه من طريقه، عنه.
ثم رواه٧ ابن مَردويه، من طريق المسعودي، عن يزيد بن صُهَيب الفقير، عن جابر بن عبد الله ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ قال ]٨ " يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة " قال : فقلت لجابر بن عبد الله : يقول الله : يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا قال : اتل أول الآية : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ الآية، ألا إنهم الذين كفروا.
وقد روى الإمام أحمد ومسلم هذا الحديث من وجه آخر، عن يزيد الفقير، عن جابر٩ وهذا أبسط سياقًا.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسين بن محمد بن شنبة١٠ الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا مبارك بن فضالة، حدثني يزيد الفقير قال : جلست إلى جابر بن عبد الله، وهو يحدث، فحدّث أن أُنَاسًا١١ يخرجون من النار - قال : وأنا يومئذ أنكر ذلك، فغضبت وقلت : ما أعجب من الناس، ولكن أعجب منكم يا أصحاب محمد ! تزعمون أن الله يخرج ناسًا من النار، والله يقول : يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا [ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ] ١٢ فانتهرني أصحابه، وكان أحلمهم فقال : دعوا الرجل، إنما ذلك للكفار : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ حتى بلغ : وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ أما تقرأ القرآن ؟ قلت : بلى قد جمعته قال : أليس الله يقول : وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ؟ [ الإسراء : ٧٩ ] فهو ذلك المقام، فإن الله [ تعالى ]١٣ يحتبس أقوامًا بخطاياهم في النار ما شاء، لا يكلمهم، فإذا أراد أن يخرجهم أخرجهم. قال : فلم أعد بعد ذلك إلى أن أكذب به.
ثم قال ابن مردويه : حدثنا دَعْلَج بن أحمد، حدثنا عمرو بن حفص السَّدُوسي، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا العباس بن الفضل، حدثنا سعيد بن المُهَلَّب، حدثني طَلْق بن حبيب قال : كنت من أشد الناس تكذيبًا بالشفاعة، حتى لقيت جابر بن عبد الله، فقرأت١٤ عليه كل آية أقدر عليها يذكر الله [ تعالى ]١٥ فيها خلود أهل النار، فقال : يا طلق، أتُرَاك أَقْرَأُ لكتاب الله وأعلم بسنة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]١٦ مني ؟ إن الذين قرأت هم أهلها، هم المشركون، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوبًا فعذبوا، ثم أخرجوا منها ثم أهوى بيديه١٧ إلى أذنيه، فقال١٨ صُمَّتًا إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" يخرجون من النار بعدما دخلوا ". ونحن نقرأ كما قرأت.
٢ في ر: "إليهم"..
٣ في ر: "ما يقبل ذلك منهم"..
٤ في ر: "ولا مخلص لهم ولا مناص".
.
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة