إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا
في الآيات السابقات بين سبحانه ما أوغر به الحسد أحد ابني آدم، حتى قتل أخاه، إذ قربا قربانا فقبل من أحدهما فحسده أخوه، فقتله بعد أن كانت منازعة نفسية انتهت بأن طوعت نفسه له قتل أخيه فقتله، وبهذا صور القرآن أصل الجرائم البشرية والبواعث عليها، وهو الحسد الذي يربي الضغن في النفوس وحب الاستعلاء بأي طريق الذي يسهل الظلم للقريب والبعيد من غير أي حريجة مانعة، ومن غير نفس لوامة وازعة، ولقد أشار من بعد ذلك إلى جرائم الآحاد، وجرائم الجماعات، وبين أنه إذا لم يكن وازع النفوس كافيا، فلا بد من ردع بعقوبات زاجرة فيها إيلام للآثمين، ونكال يجعل غيرهم يفكر فيما يترقبه من عقاب إن حدثته نفسه بالآثام، فإنه لم يكن له من نفسه واعظ، كان له من العقاب أعظم رادع.
ثم بين سبحانه الطريق لمحاربة الآثام في النفس قبل أن يظهر الشر ويطفح على الألسنة والجوارح، فقال سبحانه : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة
في هذا النص الكريم يبين سبحانه المقابلة بين جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين، فالمؤمنون يفوزون في الدنيا بنعيم الاطمئنان والإحساس بالرضوان من الله تعالى، ونصره سبحانه وتأييده وفوز الآخرة بالنعيم المقيم، أما الكافرون فإنهم إن نالوا ظاهرا من الحياة الدنيا، يستقبلهم في الآخرة عذاب مقيم، دائم مستمر وإنه لو وزنت الدنيا بحذافيرها، وكل ما فيها بعذاب يوم القيامة، ما ساوت شيئا في جانبه وإنهم لو ملكوا الدنيا بما فيها، وأرادوا أن يقدموه فداء لأنفسهم من عذاب القيامة، ما قبل منهم ذلك، بل يرد عليهم ما يقدمون.
وإن الله سبحانه وتعالى قد ذكر كفر الكافرين مؤكدا ب "إن"، وذكر الموصول للإشارة إلى أن الكفر الثابت المؤكد الذي لم يقترن بالتوبة والانخلاع منه بإيمان يجب الكفر هو سبب لعذاب وهول يوم القيامة صوره الله سبحانه وتعالى بقوله :
ولو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم والافتداء تخليص النفس، والعمل على الحفاظ عليها بمال أو أي نفيس يبذل في سبيل ذلك الخلاص، والمعنى الجملي : لو ثبت أن الذين كفروا يقدمون كل ما في الأرض تخليصا لأنفسهم ومثله معه في قيمته وكمه ما قبله الله تعالى منهم، لأن الجزاء الذي ادخره الله تعالى لهم من عذاب أليم يتكافأ مع ما في الدنيا مضافا إليه مثله، وهم لو ملكوا كل ذلك لقبلوا أن يقدموه، فكيف وهم لا يملكون إلا قدرا ضئيلا لا يساوي ذرة صغيرة في هذه الدنيا، والله لا يتقبل ذلك الفداء مهما يكن قدره، لأنه قرر العذاب المؤلم المؤكد، وقد أكد نفي القبول بقوله تعالى : ما تقبل منهم أي ما قبل منهم بأي قدر ولو كان ضئيلا، وكان من تأكيد النفي بصيغة التقبل والمراد هنا من التقبل تكلف القبول، أي أنه لا يمكن القبول ولو بطريق المحاولة والمعاناة.
وقد أكد سبحانه وتعالى العذاب بقوله تعالى : ولهم عذاب أليم أي أن الذين يملكونه في الآخرة بدلا في مقابل ما كانوا يملكون في الدنيا عذاب مؤلم مستمر لا يزول ولا يفارقهم، وهم يريدون أن يخرجوا منه، وهو ملازمهم لا يفارقهم، ولذا قال سبحانه : يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها .
زهرة التفاسير
أبو زهرة