لا يُسْقِطَ إسلامُهم عنهم= إذا أسلموا أو تابوا بعد قدرتنا عليهم= ما كان لهم قبل إسلامهم وتوبتهم من القتل، وما للمسلمين في أهل الحرب من المشركين. وفي إجماع المسلمين أنّ إسلام المشرك الحربيِّ يضع عنه، بعد قدرة المسلمين عليه، ما كان واضعَه عنه إسلامه قبل القدرة عليه= ما يدلّ على أن الصحيح من القول في ذلك قول من قال:"عنى بآية المحاربين في هذا الموضع، حُرَّاب أهل الملة أو الذمة، (١) دون من سواهم من مشرِكي أهل الحرب".
* * *
وأما قوله:"فاعلموا أن الله غفور رحيم"، فإن معناه: فاعلموا أيها المؤمنون، أن الله غير مؤاخذٍ من تاب من أهل الحرب لله ولرسوله، الساعين في الأرض فسادًا، وغيرهم بذنوبه، ولكنه يعفو عنه فيسترها عليه، ولا يفضحه بها بالعقوبة في الدنيا والآخرة= رحيم به في عفوه عنه، وتركه عقوبته عليها. (٢)
* * *
القول في تأويل قوله عز ذكره: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله فيما أخبرهم ووعَد من الثواب وأوعدَ من العقاب (٣) "اتقوا الله" يقول: أجيبوا الله فيما أمركم ونهاكم بالطاعة له في ذلك، وحقِّقوا إيمانكم وتصديقكم ربَّكم ونبيَّكم
(٢) انظر تفسير"غفور" و"رحيم" فيما سلف من فهارس اللغة.
(٣) في المطبوعة: "ووعدهم من الثواب"، وأثبت ما في المخطوطة، فهو صواب محض.
بالصالح من أعمالكم (١) ="وابتغوا إليه الوسيلة"، يقول: واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه. (٢)
* * *
و"الوسيلة": هي"الفعيلة" من قول القائل:"توسلت إلى فلان بكذا"، بمعنى: تقرَّبت إليه، ومنه قول عنترة:
| إنَّ الرِّجَالَ لَهُمْ إِلَيْكِ وَسِيلَةٌ | إِنْ يَأْخُذُوكِ، تكَحَّلِي وتَخَضَّبي (٣) |
| إِذَا غَفَلَ الوَاشُونَ عُدْنَا لِوَصْلِنَا | وَعَادَ التَّصَافِي بَيْنَنَا وَالوَسَائِلُ (٥) |
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١١٨٩٩ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا
(٢) انظر تفسير"ابتغى" فيما سلف ٩: ٤٨٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٣) أشعار الستة الجاهليين: ٣٩٦، مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٦٥، والخزانة ٣: ١١، وغيرها، من أبيات له قالها لامرأته، وكانت لا تزال تذكر خيله، وتلومه في فرس كان يؤثره على سائر خيله ويسقيه ألبان إبله، فقال:
| لا تَذْكُرِي مُهْرِي وَمَا أَطْعَمْتُهُ | فَيَكُونَ جِلْدُكِ مِثْلَ جِلْدِ الأَجْرَبِ |
| إِنَّ الْغَبُوقَ لَهُ، وَأَنْتِ مَسُوءَةٌ، | فَتَأَوَّهِي مَا شِئْتِ ثُمَّ تَحَوَّبِي |
| كَذَبَ الْعَتِيقُ وَمَاءُ شَنٍّ بَارِدٌ | إنْ كُنْتِ سَائِلَتِي غَبُوقًا فَاذْهَبي |
| إِنَّ الرِّجَالَ لَهُمْ....... | ................... |
| وَيَكُونَ مَرْكَبُكِ القَعُودُ وَحِدْجُهُ | وَابْنُ النَّعَامَةِ يَوْمَ ذَلِكَ مَرْكَبِي! |
(٤) لم أعرف قائله.
(٥) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٦٤.
سفيان= ح، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن الحباب، عن سفيان= عن منصور، عن أبي وائل:"وابتغوا إليه الوسيلة"، قال: القربة في الأعمال.
١١٩٠٠ - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= ح، وحدثنا سفيان قال، حدثنا أبي= عن طلحة، عن عطاء:"وابتغوا إليه الوسيلة"، قال: القربة.
١١٩٠١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة"، قال: فهي المسألة والقربة. (١)
١١٩٠٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وابتغوا إليه الوسيلة"، أي: تقربوا إليه بطاعته والعملِ بما يرضيه.
١١٩٠٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وابتغوا إليه الوسيلة"، القربة إلى الله جل وعزّ.
١١٩٠٣ - حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق قال، خبرنا معمر، عن الحسن في قوله:"وابتغوا إليه الوسيلة"، قال: القربة.
١١٩٠٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير قوله:"وابتغوا إليه الوسيلة"، قال: القربة.
١١٩٠٥ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"وابتغوا إليه الوسيلة"، قال: المحبّة، تحبّبوا إلى الله. وقرأ: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) [سورة الإسراء: ٥٧].
* * *
القول في تأويل قوله عز ذكره: وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه للمؤمنين به وبرسوله: وجاهدوا، أيها المؤمنون، أعدائي وأعداءَكم= في سبيلي، يعني في دينه وشَرِيعته التي شرعها لعباده، وهي الإسلام. (١) يقول: أتْعِبُوا أنفسكم في قتالهم وحملهم على الدخول في الحنيفية المسلمة، (٢) ="لعلكم تفلحون"، يقول: كيما تنجحوا، فتدركوا البقاء الدَّائم والخلود في جناته.
* * *
وقد دللنا على معنى"الفلاح" فيما مضى بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (٣)
* * *
القول في تأويل قوله عز ذكره: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦)
قال أبو جعفر: يقول عز ذكره: إن الذين جحدوا ربوبية ربّهم وعبدوا غيرَه، من بني إسرائيل الذين عبدوا العجل، ومن غيرهم الذين عبدوا الأوثان والأصنام، وهلكوا على ذلك قبل التوبة= لو أن لهم مِلك ما في الأرض كلِّها وضعفَه معه، ليفتدوا به من عقاب الله إياهم على تركهم أمرَه، وعبادتهم غيره يوم القيامة، فافتدوا بذلك كله، ما تقبَّل الله منهم ذلك فداءً وعِوضًا من عذابهم وعقابهم، بل هو معذّبهم في حَمِيم يوم القيامة عذابًا موجعًا لهم.
(٢) انظر تفسير"جاهد" فيما سلف ٤: ٣١٨.
(٣) انظر تفسير"الفلاح" فيما سلف ١: ٢٤٩، ٢٥٠/٣: ٥٦١/٧: ٩١، ٥٠٩
وإنما هذا إعلامٌ من الله جل ثناؤه لليهود الذين كانوا بين ظهرانَيْ مُهاجَرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنَّهم وغيرهم من سائر المشركين به، سواءٌ عنده فيما لهم من العذاب الأليم والعقاب العظيم. وذلك أنهم كانوا يقولون: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً)، اغترارًا بالله جل وعزّ وكذبًا عليه. فكذبهم تعالى ذكره بهذه الآية وبالتي بعدها، وحَسَم طمعهم، فقال لهم ولجميع الكفرة به وبرسوله:"إن الذين كفروا لو أنّ لهم ما في الأرض جميعًا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تُقُبّل منهم ولهم عذابٌ أليم. يُريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم"، يقول لهم جل ثناؤه: فلا تطمعوا أيُّها الكفرة في قَبُول الفدية منكم، ولا في خروجكم من النار بوسَائل آبائكم عندي بعد دخولكموها، إن أنتم مُتّم على كفركم الذي أنتم عليه، ولكن توبوا إلى الله توبةً نَصُوحًا. (١)
* * *
جامع البيان في تأويل آي القرآن
أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري
أحمد شاكر