ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه :
إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم( ٣٦ ) :
الحق سبحانه تحدث من قبل عن العقوبات والقصاص والتقتيل والتقطيع، ثم ينقلنا من هذا الجو إلى أن نتقي الله ونبتغي إليه الوسيلة ونجاهد في سبيله حتى نفلح، وكان لا بد أن يأتي لنا الحق بالمقابل فالعقاب الذي جاء من قبل كقصاص وقتل هو عقاب دنيوي ولكن ما سيأتي في الآخرة أدهى وأمر.
إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم( ٣٦ ) ( سورة المائدة ).
ولنا أن نتصور الجماعة الكافرة التي تتكبر في الدنيا ويعتلون ويرتفعون بالجبروت، فماذا عن موقفهم يوم القيامة ؟ لقد أقمتم الجبروت بقوتكم على غيركم وها هي ذي القوة تضيع وتفلت، لقد كانت القوة تعيش معكم في الدنيا بالأسباب الممنوحة من الله لكم، ولن تضن عليكم سنن الله أن ترتقوا، وسبحانه قد خلق السنن ومن يبحث في أسباب الله، ينل نتيجة ما بذل من جهد، لكن ها هو ذا يوم القيامة، وها أنتم أولاء تعرفون أن الأسباب ليست ذاتية، وأن قوتكم لم تكن إلا عطاء من الله ها أنتم أولاء أمام المشهد الحي، فلو أن ما في الدنيا جميعا معكم وحتى ولو كان ضعف ما في الدنيا وتريدون أن تقدموه فدية لكم من عذاب جهنم فالله لا يتقبله، وتلك قمة الخزي، ولن يستطيعوا تخليص أنفسهم من عذاب جهنم.
وهذا المشهد يجعل النفس تستشعر أن المسألة ليست لعبا ولا هزلا، ولكن هي جد في منتهى الجد، وعلى الإنسان أن يقدر العقوبة قبل أن يستلذ بالجريمة والذي يجعل الناس تستشري في الإسراف على أنفسهم، أن الواحد منهم يعزل الجريمة عن عقوبة الجريمة ولو قارن الإنسان قبل أن يسرف على نفسه العقوبة بالجريمة لما ارتكبها وكذلك الذي يكسل عن الطاعة، لو يقارن الطاعة بجزائها لأسرع إليها.
وأضرب هذا المثل ولله المثل الأعلى نفترض أن إنسانا في صحراء نظر إلى أعلى الجبل، ورأى شجرة تفاح واستدل على التفاح بأن رأى تفاحة عطبة واقعة على الأرض، وقال الرجل لنفسه : هأنذا أرى مصارع الناس، فهذا يصعد إلى الجبل، فيقع على حافته وذلك تهاجمه الذئاب وثالث يتوه عن الطريق كل ذلك على أمل أن في الشجرة ثمارا، ولا بد لي من أن أختار الطريق السليم إلى الثمار والطريق إلى ثمار الدنيا الطاعة لمنهج الله وهو الطريق إلى ثمار الآخرة.
وأيضا : الطالب المجتهد الذي يتغلب على النعاس ويتوضأ ويصلي ويخرج إلى مدرسته في برد الشتاء ليحصل الدروس، ويعود إلى المنزل لتقدم له أمه الطعام، ولكنه مشغول بالدرس، إن هذا الشاب يستحضر نتيجة هذا الجهد لذلك فكل تعب في سبيل التعلم صار سهلا عليه، ولو أهمل ونام ولم يقم مبكرا إلى المدرسة، وإن استيقظ وخرج من المنزل ليتسكع في الطرقات مع أمثاله، يكون في مثل هذه الحالة غير مقدر للنتيجة التي تقوده إليها الصعلكة، والعيب في البشر أنهم يعزلون العمل عن نتيجته، ويفصلون بين الجريمة وعقوبتها والطاعة عن ثوابها، إننا لو وضعنا النتيجة مقابل العمل لما ارتكب أحد معصية ولا أهمل أحد في طاعة.
ولنا أن نتصور مشهد الجبارين في الدنيا وهم في نار الآخرة، هم بطشوا في الدنيا ونهبوا ولنفترض أن الواحد منهم قد امتلك كل ما في الدنيا، على الرغم من أن هذا مستحيل وفوق ذلك أخذ مثل في الدنيا معه ويريد أن يقدمه افتداء لنفسه من عذاب جهنم فيرفضه الحق منه " ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم " وتلك هي قمة الخزي التي يجب أن يبتعد عنها الإنسان.
تفسير الشعراوي
الشعراوي