ولما قصدت اليهود أن يفتنوا النبي صلى الله عليه وسلم بأن يحكم لهم ما يشتهون، أنزل الله تعالى :
وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ
قلت : وأن احكم : عطف على الكتاب، أي : وأنزلنا إليكم الكتاب والحكم بينهم بما أنزل الله، أو على الحق، أي : أنزلناه بالحق وبالحكم بما أنزل الله، و أن يفتنوك : بدل اشتمال من الضمير، أي : احذر فتنتهم.
يقول الحقّ جلّ جلاله : لرسوله عليه الصلاة والسلام : و أمرناك أن اُحكم بينهم أي : بين اليهود بما أنزل الله ، قيل هو ناسخ للتخيير المتقدم، وقيل : لا، والمعنى أنت مخير، فإن أردت أن تحكم بينهم فاحكم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم الباطلة، التي أرادوا أن يفتنوك بها، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ، فيصرفوك عن الحكم به.
رُوِي أن أحبار اليهود قالوا : اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فقالوا : يا محمد، قد عرفت أنَّا أحبار اليهود، وأنّا إن اتبعناك اتبعتك اليهود كلهم، وإن بيننا وبين قومنا خصومة، فنتحاكم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردَّهم، فنزلت الآية.
قال تعالى لنبيّه عليه الصلاة والسلام : فإن تولوا عن الإيمان، بل وأعرضوا عن اتباعك، فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم في الدنيا، ويدخر جُلَّها للآخرة، وقد أنجز الله وعده، فأجلى بني النضير، وقتل بني قريظة، وسبا نساءهم وذراريهم، وباعهم في الأسواق، وفتح خيبر، وضرب عليه الجزية، وإنَّ كثيرًا من الناس لفاسقون ؛ خارجون عن طاعة الله ورسوله.
قيل لعمرَ بن عبد العزيز : ما ألذُ الأشياءِ عندك ؟ قال : حق وافق هواي. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم :" لاَ يُؤمِنُ أُحَدُكُم حَتَّى يكُون هواه تابعًا لما جئتُ به " ١، وفي الحِكَم :" يُخاف عليك أن تلتبس الطرقُ عليك، إنما يُخاف عليك من غَلِبَةِ الهوى عليك ".
فمن تولى عن هذا المنهاج الواضح، وجعل يتبع الهوى ويسلك طريق الرخص، فليعلم أن الله أراد أن يعاقبه ببعض سواء أدبه، حتى يخرج عن منهاج السالكين، والعياذ بالله، أو يؤدبه في الدنيا إن كان متوجهًا إليه.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي