المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه إنزال التوراة ثم الإنجيل على بني إسرائيل وذكر ما أودعه فيهما من الهدى والنور وما ألزمهم به من إقامتهما وما أوعدهم به من العقاب على ترك الحكم بهما.
ذكر هنا إنزاله القرآن على خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم ومنزلته من الكتب قبله وأن الحكمة اقتضت تعدد الشرائع والمناهج لهداية البشر.
تفسير المفردات :
أن يفتنوك : أي يميلوا بك من الحق إلى الباطل.
الإيضاح :
وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك أي إنا أنزلنا إليك الكتاب فيه حكم الله وأنزلنا إليك فيه : أن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتيع أهواءهم بالاستماع لهم وقبول كلامهم ولو لمصلحة في ذلك كتأليف قلوبهم وجذبهم إلى الإسلام فالحق لا يوصل إليه بطريق الباطل واحذرهم أن يفتنوك وينزلوك عن بعض ما أنزل الله إليك لتحكم بغيره.
أخرج ابن جرير والبيهقي عن ابن عباس قال : قال : كعب بن أسد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس من اليهود : اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه فأتوه فقالوا : يا محمد إنك عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم وإنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا وإن بيننا وبين قومنا خصومة فنخاصمهم إليك فتقضي لنا عليهم ونؤمن لك ونصدقك فأبى ذلك وأنزل الله عز وجل فيهم وأن احكم بينهم بما أنزل الله –إلى قوله – لقوم يوقنون اه. يريد أن الحكمة في إنزال هذه الآية إقرار النبي على ما فعل والأمر بالثبات على ما سار عليه من التزام حكم الله وعدم الانخداع لليهود.
فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم } أي فإن أعرضوا عن حكمك بعد تحاكمهم إليك فما ذاك إلا لأن الله يريد أن يعذبهم في الحياة الدنيا قبل الآخرة ببعض ذنوبهم لأن استثقالهم لأحكام التوراة وتحاكمهم إليك لعلك تتبع أهواءهم ومحاولتهم لفتنتك عن بعض ما أنزل إليك – كل هذه أمارات على فساد الأخلاق وانحلال روابط الاجتماع ولا بد أن تكون نتيجتها وقوع العذاب بهم وقد حل بيهود المدينة وما حولها بغدرهم ما حل فقد أجلى النبي صلى الله عليه وسلم نبي النضير عنها وقتل بني قريظة.
وإن كثيرا من الناس لفاسقون أي متمردون في الكفر مصرون عليه خارجون من الحدود والشرائع التي اختارها الله لعباده.
و في هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم على عدم إذعانهم لما جاء به من الهدي والدين وإعراضهم عن ذلك النور الذي أنزل إليه.
تفسير المراغي
المراغي