الربع الثالث من الحزب الثاني عشر
في المصحف الكريم
يبتدئ هذا الربع، بخطاب موجه إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، آمرا له أن يحكم بما أنزل الله، وأن لا يتأثر بأهواء المحكومين لفتنته عن بعض ما أنزل الله إليه.
وإذا كان الخطاب الإلهي يتوجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بمثل هذه الأمور والنواهي، وهو المتميز عن غيره بالعصمة والرسالة – حرصا على إحقاق الحق وإبطال الباطل، وإقامة العدل المطلق بين الناس – فمن باب أولى وأحرى أن يوجه هذا الخطاب الإلهي إلى غير المعصومين من ولاة المسلمين الحاكمين بين الناس من بعده، ومن باب أولي وأحرى أن تساق إليهم هذه الأوامر والنواهي، بل إنهم هم المقصودون بالذات من هذا الخطاب الموجه في الظاهر إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم إذ هم وحدهم – دون الرسول – المعرضون للتأثر بأهواء المحكومين والمخالفين، على حساب الحق، وهم وحدهم المعرضون للفتنة عن العدل. والفتنة أنواع وأشكال، من بينها فتنة الرشوة، وفتنة البطانة والحاشية، وفتنة العداوة والصداقة، وفتنة الشفاعات والوساطات، وفتنة الانحراف والتحريف، وفتنة الآراء الفاسدة والنظريات الباطلة.
وذلك قوله تعالى في خطابه إلى الرسول وهو خطاب إلى المؤمنين عن طريقه وأن احكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم، واحذرهم أن يفتونك عن بعض ما أنزل الله إليك .
وتنتقل الآيات الكريمة إلى وصف أولئك الذين يولون الأدبار ويتراجعون عن الحكم بما أنزل الله تعالى، مفضلين التقهقر إلى الوراء، وناظرين إلى شريعة الله، إما شزرا، وإما بالاستخفاف و الاستهزاء.
وتبين نفس الآيات أن الوصول إلى هذا الحد الأقصى من الانحراف إنما هو نتيجة حتمية لانحرافات تدريجية سابقة، ونوع من أنواع العقاب الإلهي لأولئك المنحرفين الفاسقين، على ذنوبهم التي ارتكبوها وأصروا عليها إصرارا، وذلك قوله تعالى : فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، وإن كثيرا من الناس لفاسقون .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري