وقد يقول قائل : إن الله سبحانه وتعالى قال من قبل : وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ( من الآية٤٨سورة المائدة ).
وتكون الإجابة : أن الحق بين إن القرآن قد نزل مهيمنا وعلى الرسول أن يباشر مهمة التنفيذ، لذلك يأتي هنا قوله :" وأن احكم بينهم بما أنزل الله " بلاغا للرسول وإيضاحا : أنا أنزلت إليك الكتاب مصدقا لما بين يديه من الكتب السابقة ومهيمنا فاحكم، فإذا جاءك قوم بشيء مخالف لما نزل من القرآن، فاحكم بينهم بالقرآن.
والذي زاد في هذه الآية هو قوله الحق : " واحذرهم أن يفتنوك " والحذر هو احتياط الإنسان واحترازه ممن يريد أن يوقع به ضررا في أمر ذي نفع، والذي يرغب الضر قد يزين لنفسه ولغيره الضر كأنه الخير، على الرغم من أن ما في باطنه هو كل الشر.
إذن فالحذر هو ضرورة الانتباه لمن يريد بالإنسان شرا حتى لا يدخل عليه ضرا في صورة نفع كأن يأتي خصم ويقول لك : سأضع لك كذا وافعل من أجلك كذا وكذا، يجب عليك هنا أن تقول له : لا.
والحذر إذن يقتضي عقلا مركبا، ولذلك كانوا يعرفون الحذر من الغراب، فها هو ذا الغراب يعلم ابنه في قصة شعبية فيقول الغراب لابنه :
احذر الإنسان لأن الإنسان عندما ينحني ليلتقط شيئا من الأرض فهو يلتقط قطعة من الطوب ليرميك بها، وهنا يقول الغراب الصغير لوالده : وماذا أفعل لو كان هذا الإنسان يخبئ قطعة الطوب في جيبه ؟ إنها قصة توحي بأن الغراب حذر بفطرته.
ونرى مثل ذلك في مظاهر الأشياء كالمرابي الذي يزين للناس أن يضعوا أموالهم عنده ويعطيهم فائدة تبلغ عشرين بالمائة، هذه صورة شيء ينفع ولكنها ضارة بالفعل، لأنها تزيد المال ظاهرا ولكن ينطبق عليها قول الله ( يمحق الله الربا ).
وهذا أمر ضار يزينه الخصم وكأنه أمر نافع والحق يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون حذرا فماذا يكون المطلوب من الأتباع ؟ إنه الحذر نفسه، لأن أفضل البشر وجهه الله إلى الحذر :" واحذرهم أن يفتنوك " لأن الصورة التي دخلوا بها هي صورة تزين الخداع، فقد قالوا : نحن جئناك لتحكم لنا، فإن حكمت لصالحنا فلسوف نتبعك، وهذا أمر يبدو في صورة شيء نافع وجاء القول الحق ليحسم هذه المسألة :" واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك " وهنا يحذر الله رسوله من الفتنة عن بعض ما أنزله إليه سبحانه.
ويتابع الحق :" فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض من ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون " وهم إن تولوا، فاعلم أن الله يحميك أن تنزلق إلى شبهة باطل، فهم قد اختاروا أن يوغلوا في الكفر وفي الابتعاد عن منهج الله وسيصيبهم ببعض عذابه مقابل ذنوبهم، وسبحانه لا يصيبهم ظلما، بل يصيبهم ببعض الذنوب التي ارتكبوها وهو أعلم بهم، لأنه الأعلم بالناس جميعا.
ويختم الحق الآية بقوله :" وإن كثيرا من الناس لفاسقون " أي خارجون عن طاعة كتبهم ورسلهم، لأن طاعة الكتب السابقة على القرآن تنص على ضرورة الإيمان بالرسول النبي الأمين صلى الله عليهوسلم ويقول الحق : الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون( ١٥٧ ) ( سورة الأعراف ).
إذن فطريق الفلاح كان مكتوبا في التوراة والإنجيل وكان الأمر بإتباع محمد صلى الله عليه وسلم النبي الأمي موجودا في الكتب السابقة على القرآن وكانت البشارة بمحمد رسولا من عند الله يأمر بكل الخير وينهى عن كل الشر ويحل للناس كافة الأشياء التي تحسن الفطرة الإنسانية استقبالها ويحرم عليهم أن يزيفوا ويغيروا المنهج الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وألا يستسلموا للعناد، فقد جاء محمد صلى الله عليه وسلم ليزيل عنهم عبء تزييف المنهج، فمن اتبع نور رسول الله صلى الله عليه وسلم أحس بالنجاة والفوز، ومن لم يتبع هذا النور فهو الخارج عن طاعة كتاب السماء ومحاولة إنكار رسالة رسول الله محكوم عليها بالفشل، فالعارفون بالتوراة والإنجيل يعرفون وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الكتب. { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون( ١٤٦ ) ( سورة البقرة ).
ونعلم جميعا ما فعله عبد الله بن سلام عندما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلن إسلامه قال عبد الله بن سلام : لأنا أشد معرفة برسول الله صلى الله عليه وسلم مني بابني.
فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : وكيف ذلك يا بن سلام ؟.
قال عبد الله بن سلام : لأني أشهد أن محمدا رسول الله حقا ويقينا وأنا لا أشهد بذلك على ابني لأني لا أدري أحداث النساء، فقال عمر بن الخطاب : وفقك الله يا ابن سلام :
ولكن بعض علماء بني إسرائيل وأحبارهم كتموا البشارة برسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كانوا يرجون الرئاسة والطمع في الهدايا التي كان يقدمها الناس إليهم، لذلك عمدوا إلى صفة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وكتموها وماداموا قد فعلوا ذلك فلنعلم أن الله يصيبهم ببعض ذنوبهم.
ونلحظ أن الحق حين أجرى على لسان رسوله خطابا إلى اليهود ولم يأت على لسانه صلى الله عليه وسلم اتهام شامل لليهود، بل اتهام لبعضهم فقط، وإن كان هذا البعض كثيرا، فلنعلم أن ذلك هو أسلوب صيانة الاحتمال لأن بعضهم يدير أمر الإيمان بقلبه، صحيح أن كثيرا منهم فاسقون ولكن القليل منهم غير ذلك.
فها هو ذا أبو هريرة رضي الله عنه ينقل لنا ما حدث : زنى رجل من اليهود بامرأة وقال بعضهم لبعض اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه نبي مبعوث للتخفيف فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججناها عند الله وقلنا فتيا نبي من أنبيائك فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد مع أصحابه فقالوا : يا أبا القاسم ما ترى في امرأة ورجل زنيا ؟ فلم يكلمهم حتى ذهب إلى مدراسهم.
وهناك طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاب رفض أن يتكلم بالكلام غير الصدق الذي يتكلمه قومه، وقال الشاب : إنا نجد في التوراة الرجم. وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجم.
عن البراء بن عازب قال : مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمما مجلودا، فدعاهم فقال : هكذا تجدون الزاني في كتابكم ؟ قالوا : نعم، فدعا رجلا من علمائهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ قال : لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فقلنا : تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فاجتمعنا على التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه فأمر به فرجم فأنزل الله : " يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر " )إلى قوله :" وإن أوتيتم هذا فخذوه " يقولون ائتوا محمدا فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا )١.
إذن فالكثير منهم فاسقون، والقليل منهم غير فاسق لأنهم يريدون فكرة الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم فلو أن الاتهام كان شاملا للكل بأنهم فاسقون، لما أحس الذين يفكرون في أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالنور الذي جاء به، وعندما قال الحق : " وإن كثيرا منهم فاسقون " يعني أن الذين يديرون في رؤوسهم فكرة الإيمان برسول الله سيجدون النور واضحا في كلماته.
.
تفسير الشعراوي
الشعراوي