وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣) }
شرح الكلمات:
آمَنُوا : صدقوا بالله ورسوله ووعد الله ووعيده.
أَوْلِيَاءَ : لكم توالونهم بالنصرة والمحبة.
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ : أي: اليهودي ولي أخيه اليهودي، والنصراني ولي أخيه النصراني.
الظَّالِمِينَ : الذين يوالون أعداء الله ورسوله ويتركون موالاة الله ورسوله والمؤمنين.
مَرَضٌ : نفاق وشك وشرك.
يُسَارِعُونَ فِيهِمْ : أي: في البقاء على موالاتهم، أي: موالاة اليهود والنصارى.
دَائِرَةٌ١ : تدور علينا من جدب، أو انتهاء أمر الإسلام.
بِالْفَتْحِ : نصر المؤمنين على الكافرين والقضاء لهم بذلك؛ كفتح مكة.
جَهْدَ٢ أَيْمَانِهِمْ : أقصاها وأبلغها.
حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ : بطلت وفسدت فلم ينتفعوا منها بشيء؛ لأنها ما كانت لله تعالى.
معنى الآيات:
ورد في سبب نزول هذه الآية عن عبادة بن الصامت الأنصاري، وعبد الله بن أبي كان لكل منهما حلفاء من يهود المدينة، ولما انتصر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمؤمنون في بدر اغتاظ اليهود وأعلنوا سوء نياتهم فتبرأ عبادة بن الصامت من حلفائه ورضي بموالاة الله ورسوله والمؤمنين وأبي بن أبي، ذلك وقال بعض ما جاء في هذه الآيات فأنزل الله تعالى قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ أي: لكم من دون المؤمنين، وقوله تعالى: {بَعْضُهُمْ
٢ حقيقة الجهد: التعب والمشقة، ومنتهى الطاقة، والمراد به في الآية: آكد الإيمان وأغلظها، وفعل الجهد: جهد؛ كمنع يجهد كيمنع جهداً كمنع.
أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} تعليل لتحريم موالاتهم١، لأن اليهودي ولي لليهودي والنصراني ولي للنصراني على المسلمين فكيف تجوز إذاً موالاتهم، وكيف يصدقون أيضاً فيها فهل من المعقول أن يحبك النصراني ويكره أخاه، وهل ينصرك على أخيه؟ وقوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ أي: أيها المؤمنون فَإِنَّهُ مِنْهُمْ٢. لأنه بحكم موالاتهم سيكون حرباً على الله ورسوله والمؤمنين، وبذلك يصبح منهم قطعاً وقوله: إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ جملة تعليلية تفيد أن من والى اليهود والنصارى من المؤمنين أصبح مثلهم فيحرم هداية الله تعالى لأن الله لا يهدي القوم الظالمين. والظلم وضع الشيء في غير محله، وهذا الموالي لليهود قد ظلم بوضع الموالاة في غير محلها حيث عادى الله ورسوله والمؤمنين ووالى اليهود والنصارى أعداء الله ورسوله والمؤمنين. هذا ما دلت عليه الآية الأولى، أما الآية الثانية (٥٢) فقد تضمنت بعض ما قال ابن أبي مبرراً موقفه المخزي وهو الإبقاء على موالاته لليهود، إذ قال تعالى لرسوله وهو يخبره بحالهم: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ كابن أبي، والمرض مرض النفاق يُسَارِعُونَ فِيهِمْ أي: في موالاتهم ولم يقل يسارعون إليهم لأنهم ما خرجوا من دائرة موالاتهم حتى يعودوا إليها بل هم في داخلها يسارعون، يقولون كالمعتذرين نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ من تقلب الأحوال فنجد أنفسنا مع أحلافنا ننتفع بهم. وقوله تعالى: فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ وعسى من الله تعبد تحقيق الوقوع، فهي بشرى لرسول الله والمؤمنين بقرب النصر والفتح٣ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِه٤ فَيُصْبِحُوا أي: أولئك الموالون لليهود عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ من النفاق وبغض المؤمنين وحب الكافرين نَادِمِينَ حيث لا ينفعهم ندم. هذا ما تضمنته الآية الثانية، أما الآية الثالثة (٥٣) وهي قوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا عندما يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده فيه نصرة المؤمنين وهزيمة الكافرين، ويصبح المنافقون نادمين، يقول المؤمنون مشيرين إلى المنافقين: أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِالله أغلظ الإيمان إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ لأنها لم تكن لله فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ.
٢ هذا الحكم باقٍ إلى يوم القيامة، وهو حرمة موالاة الكافرين، ومن والاهم تحرم موالاته كما تحرم موالاتهم ووجبت له النار كما وجبت لهم.
٣ قال ابن عباس رضي الله عنهما: أتى الله بالفتح فقتلت مقاتلة بني قريضة، وسبيت ذراريهم، وأجلى بنو النضير.
٤ فسر الحسن قوله تعالى: أو أمر منْ عِنده بأنه إظهار أمر المنافقين والإخبار بأسمائهم، والأمر بقتلهم، وهو تفسير عظيم عليه نور.
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري