يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( ٥١ ) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ( ٥٢ ) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ ( ٥٣ ) .
من المعلوم في السيرة النبوية الشريفة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وادع اليهود حين قدم المدينة وأقرهم على دينهم وأموالهم. وأثبت ذلك في الكتاب الذي كتبه في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وحقوق القبائل والبطون. ومما جاء في ذلك الكتاب :( وإنه من تبعنا من اليهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم ) ومنه في حقوق الحلف والولاء في الحرب :( وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين. لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم، وأنفسهم. إلا من ظلم أو أثم فإنه لا يوتغ ( أي يهلك ) إلا نفسه وأهل بيته. وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف ) ثم أعطى مثل ما لبني عوف ليهود بني الحارث وساعدة وجشم والأوس وثعلبة – ومنهم جفنة – والشطنة.
قال ابن القيم في الهدي النبوي :( ولما قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة صار الكفار معه ثلاثة أقسام : قسم صالحهم ووادعهم على أن لا يحاربوه ويظاهروا عليه ولا يوالوا عليه عدوه. وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم، وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة، وقسم تاركوه فلم يصالحوه ولم يحاربوه، بل انتظروا ما يؤول إليه أمره وأمر أعدائه. ثم من هؤلاء من كان يحب ظهوره وانتصاره في الباطن. ومنه من دخل معهم في الظاهر، وهو مع عدوه في الباطن، ليأمن الفريقين. وهؤلاء هم المنافقون. فعامل كل طائفة من هذه الطوائف بما أمره به ربه تبارك وتعالى. فصالح يهود المدينة وكتب بينهم وبينه كتاب أمن. وكانوا ثلاث طوائف حول المدينة – بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة. فحاربته بنو قينقاع بعد ذلك بعد بدر، وأظهروا البغي والحسد ).
ثم قال في فصل آخر ( ثم نقض العهد بنو النضير. قال البخاري وكان ذلك بعد بدر بستة أشهر ) وبين كيف تآمروا على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقدم ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى من هذه السورة يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم [ المائدة : ١١ ] إذ ورد أن الآية نزلت في ذلك. ثم بين في فصل آخر أن قريظة كانت أشد عداوة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنهم نقضوا صلحه لما خرج إلى غزوة الخندق. وبين كيف حارب كل طائفة وأظهره الله عليها. فهذا هو السبب العام في النهي عن موالاة أهل الكتاب في هذه الآيات، وكان نصارى العرب – وكذا الروم بالطبع – حربا له كاليهود.
وأما السبب الخاص الذي ذكروه في سبب النزول فهاك ملخصه : اخرج رواة التفسير المأثور والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن عبادة بن الوليد أن عبادة بن الصامت قال : لما حاربت بنو قنيقاع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تشبث بأمرهم عبد الله ابن أبي بن سلول ( زعيم المنافقين ) وقام دونهم. ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم. وكان أحد بني عوف بن الخزرج وله من حلفهم مثل الذي كان لعبد الله بن أبي، فخلعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال :( أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ إلى الله ورسوله من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم ). قال : وفيه وفي عبد الله نزلت الآيات في المائدة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء – إلى قوله – فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [ المائدة : ٥٦ ].
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عطية بن سعد قال جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا رسول الله : إن لي موالي من اليهود كثير عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود وأتولى الله ورسوله فقال عبد الله بن أبي : إني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية موالي. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعبد الله بن أبي ( يا أبا الحباب ! أرأيت الذي نفست به من ولاء يهود على عبادة فهو لك دونه ) قال : إذن أقبل. فأنزل الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى...... – إلا أن بلغ – والله يعصمك من الناس .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة – في الآية – إنها نزلت في بني قريظة إذ غدروا ونقضوا العهد بينهم وبين الرسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابهم إلى أبي سفيان بن حرب يدعونه وقريشا ليدخلوهم حصونهم. فبعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا لبابة بن عبد المنذر إليهم يستنزلهم من حصونهم فلما أطاعوا له بالنزول أشار إلى حلقه بالذبح، وفيها أن بعض المسلمين كانوا يكاتبون النصارى بالشام، وإن بعضهم كان يكاتب يهود المدينة بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم يمتون إليهم لينتفعوا بمالهم ولو بالقرض فنهوا عن ذلك. وروى ابن جرير أن بعضهم قال لما خافوا أن يدال للمشركين يوم أحد أن يلحق بفلان اليهودي فيتهود معه، وقال آخر إنه يلحق بفلان النصراني فيتنصر معه. وإن الآية نزلت في ذلك. وكان هؤلاء من المنافقين.
أقول : الظاهر أن الآيات نزلت بعد تلك الوقائع وغيرها مما ذكروا إن صحت الروايات. وإن معنى جعلها أسبابا لنزولها أنها نزلت في المعنى الذي ينتظمها، وهو النهي عن موالاة النصر والمظاهرة لهؤلاء الناس إذ كانوا حربا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللمؤمنين وكانوا هم المعتدين في ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقاتل إلا من نصبوا أنفسهم لقتاله. ومعناها عام في كل حال كالحال التي نزلت فيها.
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ قرأ عاصم وحمزة والكسائي ( يقول ) بالرفع على أنه كلام مبتدأ معطوف على ما قبله عطف الجمل. وقرأه ابن كثير ونافع وابن عامر مرفوعا بغير واو على أنه جواب سؤال تقديره : فماذا يقول المؤمنون حينئذ ؟ وقرأه أبو عمرو ويعقوب بالنصب عطفا على ( يأتي ) أي فعسى أن يأتي بالفتح وأن يقول الذين آمنوا حينئذ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ أي يقول بعضهم لبعض متعجبين من عاقبة المنافقين : أهؤلاء الذين أقسموا بالله أغلظ الإيمان مجتهدين في توكيدها، إنهم منكم أيها المؤمنون وعلى دينكم، ومعكم في حربكم وسلمكم ؟ كما قال تعالى في سورة براءة التي فضحتهم ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هو منكم ولكنهم قوم يفرقون [ التوبة : ٥٧ ] أي فهم لفرقهم وخوفهم يظهرون الإسلام تقية لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون [ التوبة : ٥٨ ] أي يسرعون إسراع الفرس الجموع فرارا من الإسلام وأهله، وتواريا عنهم، واعتصاما منهم أو يقولون ذلك لليهود الذين كانوا يغترون بموالاة المنافقين ومودتهم السرية لهم، ويظنون أنهم إذا نقضوا عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحاربوه يجدون منهم أعوانا وأنصارا بين المسلمين يقاتلون معهم، أو يوقعون الفشل والتخذيل في جيش المسلمين لأجلهم. كما قال تعالى في سورة الحشر ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب : لئن أخرجتم لنخرجن معكم، ولا نطيع فيكم أحد أبدا، وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم، ولئن قوتلوا لا ينصرونهم [ الحشر : ١١ ] الخ.
وقوله : حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ يحتمل أن يكون من حكاية قول المؤمنين، ويكون معناه بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفون نفاقا ليقنعوكم بأنهم منكم، كالصلاة والصيام والجهاد معكم، فخسروا ما كان يترتب عليها من الأجر والثواب لو صلح حالهم وقوي إيمانهم بها. قال الزمخشري وفيه معنى التعجيب كأنه قيل : ما أحبط أعمالهم وما أخسرها. ويحتمل أن يكون من قول الله عز وجل تعقيبا على قول المؤمنين. فهو شهادة منه تعالى بحبوط أعمالهم الإسلامية. إذ كانت تقية لا تقوى فيها ولا إخلاص، وبخسرانهم في الدنيا بعد الفضيحة، وفي الآخرة يوم الجزاء.
وفي هاتين الآيتين من خبر الغيب ما هو صريح، وفي ( عسى ) هنا يصح قول المفسرين إن الرجاء من الله تعالى للتحقيق، وقد صدق الله وعده، ونصر عبده، واعز جنده. وهزم الأحزاب وحده، فخذل الله الكافرين، وفضح المنافقين، وظهر تأويل الآيتين وما في معناهما وفقا لقوله ( والعاقبة للمتقين ) وفي القرآن كثير من أخبار الغيب التي يعبر عنها أهل الكتاب بالنبوات، وهي أصل عندهم في صدق الأنبياء، وهم مع ذلك يكابرون في نبوة خاتم النبيين. ويمارون في [ نبوته ] الظاهرة الصريحة الثابتة بالسند والدليل على تصديقهم ( بنبوات ) رمزية تختلف فيها وجوه التأويل، يرونا السهى فنريهم القمر، بل نريهم ما هو أضوأ من الشمس وأظهر، ومن لم يجعل الله له نورا فما له نور [ النور : ٤٠ ].
تفسير المنار
رشيد رضا