يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( المائدة : ٥٤ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أن من يتولى الكافرين من دون الله يعد منهم وأن الذين يسارعون فيهم مرضى القلوب مرتدون بتوليهم إياهم فإن أخفوا ذلك فإظهارهم للإيمان نفاق.
بين هنا حقيقة دعمها بخبر من الغيب يظهره الزمن المستقبل فالحقيقة أن المنافقين ومرضى القلوب لا غناء فيهم ولا يعتد بهم في نصر الدين وإقامة الحق فالله إنما يقيم دينه بصادقي الإيمان الذين يحبهم فيزيدهم رسوخا في الحق وقوة على إقامته ويحبونه فيؤثرون ما يحبه من إقامة الحق والعدل على سائر ما يحبون من مال ومتاع وأهل وو ولد.
و خبر الغيب أنه سيرتد بعض الذين آمنوا عن الإسلام جهرا ولا يضره ذلك لأن الله تعالى يسخر من ينصره ويحفظه.
الإيضاح : يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم .
روى ابن جرير عن قتادة قال : أنزل الله هذه الآية وقد علم أنه سيرتد مرتدون من الناس فلما قبض الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ارتد عامة العرب عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد – أهل المدينة وأهل مكة وأهل البحرين من عبد القيس – قالوا ( أي المرتدون ) نصلي ولا نزكي والله لا تغصب أموالنا فكلم أبو بكر في ذلك فقيل له : إنهم لو قد فقهوا لهذا أعطونا وزادوها فقال : لا والله لا أفرق بين شيء جمع الله بينه ولو منعوا عقالا مما فرض الله ورسوله لقاتلهم عليه فبعث الله عصابة مع أبي بكر فقاتل على ما قاتل عليه نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى سبى وقتل وحرق بالنيران أناسا ارتدوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة فقاتلهم حتى أقروا بالماعون ( الزكاة ) صغرة ( واحدهم صاغر وهو المهيمن الذليل ) أقمياء ( واحدهم قميء وهو الذليل الضعيف ) فأتته وفود العرب فخيرهم بين خطة مخزية أو حرب مجلية فاختاروا الخطة المخزية ( وكانت أهون عليهم ) أن يقروا أن قتلاهم في النار : وأن قتلى المؤمنين في الجنة وأن ما أصابوا من المسلمين من مال ردوه عليهم وما أصاب المسلمون لهم من مال فهو لهم حلال اه.
و على هذا فالقوم الذين يحبهم الله ويحبونه هم أبو بكر والصحابة الذين قاتلوا أهل الردة قاله قتادة والضحاك ورجح ابن جرير أن الآية نزلت في قوم أبي موسى الأشعري من أهل اليمن لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآية قال :- هم قوم أبي موسى – وإن لم يكونوا قاتلوا المرتدين مع أبي بكر لأن الله وعد بأن يأتي بخير من المريدين بدلا منهم ولم يقل إنهم يقاتلون المرتدين ويكفي في صدق الوعد أن يقاتلوا ولو غير المرتدين.
و قد ارتد كثير من القبائل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده فقد ارتدت إحدى عشرة فرقة منها ثلاث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهم :
( ١ ) بنو مدلج ورئيسهم ذو الخمار وهو الأسود العنسي وكان كاهنا تنبأ باليمن واستولى على بلاده وأخرج عمال النبي صلى الله عليه وسلم فكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل وسادات اليمن فأهلكه الله على يدي فيروز الديلمي بيته فقتله وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله فسر به المسلمون وقبض عليه السلام من الغد.
( ٢ ) بنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب وقد تنبأ مسيلمة وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله سلام عليك : أنا بعد فإني قد أشركت في الأمر معك وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض ولكن قريشا قوم يعتدون فكتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم :'' بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب : السلام على من اتبع الهدى أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين''. وكان ذلك سنة عشر وحاربه أبو بكر وقتله وحشي قاتل حمزة وكان يقول : قتلت في جاهليتي خير الناس وفي إسلامي شر الناس.
( ٣ ) بنو أسد وزعيمهم طلحة بن خويلد وقد تنبأ فبعث إليه أبو بكر خالد بن الوليد فانهزم وهرب إلى الشام ثم أسلم وحسن إسلامه.
وارتدت سبع في عهد أبي بكر وهم :
فزارة قوم عيينة بن حصن.
غطفان قوم قرة بن سلمة القشيري.
بنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل.
بنو يربوع قوم مالك بن نويرة
بعض بني تميم وزعيمته سجاح بنت المنذر الكاهنة وقد تنبأت وزوجت نفسها من مسيلمة ولها قصص طويل في التاريخ وصح أنها أسلمت بعد ذلك وحسن إسلامها.
كندة قوم الأشعث بن قيس.
بنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد وقد كفى الله المؤمنين شرهم على يد أبي بكر رضي الله عنه وارتدت قبيلة واحدة في عهد عمر رضي الله عنه وهم غسان قوم جبلة بن الأيهم تنصر جبلة ولحق بالشام ومات مرتدا ويروي أن عمر كتب إلى أحبار الشام لما لحق بهم كتابا جاء فيه : إن جبلة ورد إلي في سراة قومه فأسلم فأكرمته ثم سار إلى مكة فطاف فوطئ إزارة رجل من بني فزارة فلطمه جبلة فهشم أنفه وكسر ثناياه فاستعدى الفزاري على جبلة إلى فحكمت إما بالعفو وإما بالقصاص فقال : أتقتص مني وأنا ملك وهو سوقة فقلت شملك وإياه الإسلام فما تفضله إلا بالعافية فسأل جبلة التأخير إلى الغد فلما كان من الليل ركب مع بني عمه ولحق بالشام مرتدا.
وروي أنه ندم على ما فعل وأنشد :
تنصرت بعد الحق عارا للطمة ولم يك فيها لو صبرت لها ضرر
فأدركني منها لجاج حمية فبعث لها العين الصحيحة بالعور
فيا ليت أمي لم تلدني وليتني صبرت على القول الذي قاله عمر
و هؤلاء المرتدون لم يقاتلهم أحد فإن أبا بكر هو الذي قاتل جماهير المرتدين بمن معه من المهاجرين والأنصار وقد وصف الله هؤلاء المؤمنين بست صفات :
( ١ ) إنه تعالى يحبهم وحبه تعالى وبغضه شأن من شؤونه لا نبحث عن كنهه ولا عن كيفيته.
( ٢ ) إنهم يحبون الله تعالى وحب المؤمنين لله جاء في غير موضع من القرآن كقوله : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ ( البقرة : ١٦٥ ) وفي حديث أنس في الصحيحين :'' ثلاثة من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقي في النار''.
( ٣-٤ ) الذلة على المؤمنين والعزة على الكافرين وهما بمعنى ما جاء في قوله تعالى : أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ الفتح : ٥٩ ).
( ٥ ) الجهاد في سبيل الله وسبيل الله هو طريق الحق والخير الموصلة إلى مرضاته تعالى ومن أعظم الجهاد بذل النفس والمال في قتال أعداء الحق وهو من أكبر آيات المؤمنين الصادقين.
( ٦ ) كونهم لا يخافون لومة لائم وفي ذلك تعريض بالمنافقين الذين يخافون لوم أوليائهم من اليهود لهم إذا هم قاتلوا مع المؤمنين إذ هم لا يرغبون في جزاء أو ثناء من الناس بل يعلمون العمل لإحقاق الحق وإبكال الباطل.
ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء أي ذلك الذي تقدم من الصفات فضل الله يعطيه من يشاء من عباده وبه يمتازون عن غيرهم وهذه المشيئة وفق السنن التي أقام بها أمر النظام في خلقه فجعل من الناس الكسب والعمل نفسيا كان أو بدنيا ومنه سبحانه آلات الكسب والقوى ما بين بدنية وعقلية حسية ومعنوية كما أن منه التوفيق والهداية واللطف والمعونة.
والله واسع عليم فعلينا ألا نغفل عن فضله ومنته ولا عما يقتضيه ذلك من الشكر له والإنابة إليه والإخبات والعبادة له.
تفسير المراغي
المراغي