ويقول الحق بعد ذلك :
يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم( ٥٤ ) .
والخطاب هنا للمؤمنين، وكل نداء مثل هذا قد يجيء بعده حكم من الأحكام أو بشارة من البشارات أو وعيد للمخالف، والذي يأتي فيه شبه إشكال وليس بإشكال، هو أن يأتي هذا القول ويكون ما بعده أمر الإيمان كقوله الحق :" يا أيها الذين آمنوا آمنوا " فسبحانه يناديهم كمؤمنين ويطلب منهم الإيمان ومثال ذلك قول القائل : " يا قائم قم " برغم أن المفروض أن يكون القول : " يا قائم اجلس " أو " يا قائم تعال "، أو " يا قائم انصرف إلى فلان "، فكيف إذن يقول الحق " يا أيها الذين آمنوا آمنوا ". هنا نقول : ما الإيمان ؟ الإيمان هو استقرار العقيدة في القلب فلا تطفو للذهن لتناقش من جديد، ونسمي ذلك عقيدة أي أمرا معقودا في القلب.
إذن فالحق سبحانه وتعالى حينما يخاطب ويطالب أن يؤمن فمعنى ذلك أن الحق يقول : أنت آمنت قبل أن أناديك وبسر الإيمان ناديتك فحافظ على هذا الإيمان دائما، وجدد دائما إيمانك لأنني ناديتك بوصف الإيمان الذي عرفته فيك.
إن الحق يوضح : يا أيها الذين آمنوا داوموا على إيمانكم ولتكن كل لحظة من لحظات حياتكم المقبلة في إيمان عال مرتق قبل أن أتكلم معكم بوصف الإيمان أنتم آمنتم أولا فناديتكم فحافظوا على ذلك واثبتوا على إيمانكم.
ومعنى قوله : " من يرتد منكم عن دينه " أي من يتراجع منكم عن الإسلام فسيأتي الله بعوض عنه، وسيأتي بقوم لن يكونوا مثل هؤلاء المرتدين إذن فمن يرتد فعليه أن يفهم أنه لن ينقص جند الله واحدا، لأن الذي أذن لشرعه أن ينزل على رسول ونبي خاتم لن يجعل هذا الرسول وهذا المنهج تحت رحمة أغيار الناس، فإن خرج أناس عن المنهج فالله يستبدل بهم غيرهم وفي هذه الآية أسلوب يخالف آية البقرة في الوجه الإعرابي وسبحانه يقول في آية البقرة :
يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون( ٢١٧ ) ( سورة البقرة ).
هنا وجدنا الحق يقول :" ومن يرتدد منكم عن دينه " أما في الآية التي نحن بصددها في سورة المائدة فهو سبحانه يقول :" من يرتد منكم عن دينه " ونجد الأسلوبين مختلفين والحكمة العليا في أن الحق سبحانه يأتي في كتابه بآيات متحدة في المعنى إلا أن وجه الإعراب فيها يختلف ليدلنا أن القرآن نزل إلى الناس كافة، وقبل أن ينزل القرآن كانت هناك لغتان : لغة تميم، ولغة الحجاز.
وكان الخلاف بين اللغتين محصورا في الكلمة التي بها تضعيف، أي فيها حرفان من شكل واحد أي متماثلان وكلمة " يرتد " بها " دالان " وأصلها " يرتدد " و " يرتد " بها مثلان والنطق بهما صعب ولذلك حاول الناس في مثل هذه الحالة أن يدغموا مثلا في مثل، ولذلك كان من اللازم أن نسكن الحرف الأول من المثلين والمفروض أن " الدال " الثانية ساكنة، لأن " من " شرطية جازمة، والدال الأولى أصلها بالكسر ولابد من الإدغام، والإدغام يقتضي إسكان الحرف الأول إذن فمن أجل الإدغام نفعل ذلك.
ونحن نعلم أن الساكنين لا يلتقيان، وكان تسكين الحرف الأول لأنه ضروري للإدغام أما الحرف الساكن الآخر فهو الطارئ فنتصرف فيه، ولذلك نحركه بالفتح حتى نتخلص من التقاء الساكنين ولذلك نقول : " من يرتد " بالفتح.
وجاء لي ذات مرة سؤال يقول : كيف يأتي القرآن ب " يرتد " بالنصب أي بالفتح ؟ قلت : إنها ليست " فتحة نصب " والسائل يفهم أن " من " إما اسم موصول، وإما هي " من " الشرطية، فلو كانت اسما موصولا لكان القول " من يرتد " بالضم وإن كانت " من " الشرطية لجاءت بالتسكين ولأن ما قبلها جاء ساكنا للإدغام تخلصنا من السكون بالفتحة وهي " فتحة " التخلص من ساكنين، لأنه كما قلنا لا يلتقي ساكنان.
والذي يظهر لنا ذلك هو آية البقرة التي قال فيها الحق :" ومن يرتدد " بدليل أنه عندما عطف قال : " فيمت " بالجزم عطفا على يرتدد أما السبب في أن جواب الشرط واضح في آية المائدة أنه لم يأت فعل جوابي أو عطف، وجواب الشرط هو قول الحق :" فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه " ويدل على ذلك دخول الفاء على كلمة سوف لكن لو كان الحق قد قال : من يرتد منكم عن دينه يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه كان يمكن الفهم بسرعة أن " من " شرطية، لأن كلمة " يأت " جاءت مجزومة بحذف آخرها، ومن هنا يتضح أن الفتحة في " يرتد " هي فتحة التخلص من التقاء الساكنين.
وما السبب في أن الحق يأتي بآية على هذا النسق، وآية أخرى على ذاك النسق ؟ نحن نعلم أن القرآن قد نزل بلغة قريش وكانت قريش تمتلك السيادة ولم تكن هناك قبيلة قادرة على مواجهة قريش، ونعرف جميعا أن رحلة قريش إلى اليمن لم يكن ليجرؤ إنسان أن يتعرض لها، وكذلك في رحلة قريش إلى الشام، لأن قريشا تستوطن حيث يوجد بيت الله الحرام الذي يحج إليه كل عربي، ويوم أن يتعرض أحد لقوافل قريش فعليه أن ينتظر العقاب له أو لقبيلته إذن فالبيت الحرام هو الذي أوجد لهم تلك المهابة لذلك ينبههم الحق إلى ذلك عندما قال في سورة الفيل :
ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل( ١ )ألم يجعل كيدهم في تضليل( ٢ )وأرسل عليهم طيرا أبابيل( ٣ )ترميهم بحجارة من سجيل( ٤ )فجعلهم كعصف مأكول( ٥ ) ( سورة الفيل ).
وقد تم وعيد الله لأصحاب الفيل لأنهم أرادوا هدم بيت الله الحرام ثم يتبع الحق سورة الفيل بقوله في سورة قريش : لإيلاف قريش( ١ ) إلافهم رحلة الشتاء والصيف( ٢ ) ( سورة قريش ).
ليوضح سبحانه أنه من ضمن أسباب صيانة بيت الله الحرم أن حفظ سبحانه لقريش الأمان في رحلة الشتاء والصيف ولو انهدم البيت الذي يحقق لقريش السيادة لهجم الناس على القرشيين من كل جانب، لأنه القائل في شأن من قصدهم لهدم بيت الله الحرام.
فجعلهم كعصف مأكول( ٥ ) لإيلاف قريش( ١ ) ( الآية٥سورة الفيل والآية١سورة قريش ).
ومادامت تلك المسألة قد صنعها الله لقريش فلا بد لهم من عبادة رب هذا البيت :
فليعبدوا رب هذا البيت( ٣ )الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف( ٤ ) ( سورة قريش ).
إذن فقريش أخذت السيادة بين العرب بمكانة البيت، وأخذت السيادة أيضا في اللغة، وكانت كل أسواق العرب تعقد هناك، وأشهرها سوق عكاظ وكان ينصب في قريش خلاصة اللغات الجميلة من القبائل المختلفة، وهكذا أخذت اللغة المصفاة المنتقاة، فكل شاعر كان يقدم أفضل ما عنده من شعر، وكل خطيب كان يأتي بأحسن ما عنده من خطب، وبذلك كانت قريش تسمع أجود الكلمات ولهذا كانت اللغة التي عندهم هي اللغة العالية ولذلك عندما جيء لزمن كتابة القرآن كانت الوصية :
إن اختلف عليكم شيء فاكتبوه بلغة قريش، لأن لغة قريش أخذت من اللغات محاسنها و بنو تميم والحجاز كانوا مختلفين في بعض الأشياء ولذلك كنا نسمع عندما نتعلم الإعراب قول المعلم وهو يسألنا : هل " ما " حجازية أو تميمية ؟ وهذا يدلنا على أن هناك خلافا بين النطق في القبيلتين.
وفي الآية التي نحن بصددها ندغم ونقول :" من يرتد " وفي آية البقرة ننطقها دون إدغام فنقول : " ومن يرتدد ".
وكأن الحق جاء بآية على لغة الحجاز وآية على لغة تميم وذلك برهان جديد على أن القرآن لم يأت ليحقق سيادة لقريش، إنما هو للناس كافة لذلك نجد من كل لهجة كلمة، ليتضح أن القرآن لعموم الناس جميعهم.
وعندما نقرأ قول الحق : من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ( من الآية٥٤سورة المائدة )، نعلم أنه سبحانه يعلمنا أنه قادر على أن يأتي بأهل إيمان غير الذين ارتدوا عنه، تماما كما أخبرنا من قبل : ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ( من الآية٢١٧سورة البقرة ).
والقول هنا : خبر عن مصير المرتد إلى جهنم بعد أن تقوم الساعة، ولكن القول :" من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه " يدل على أن إجراء سيحدث قبل أن تقوم القيامة ومن ذا الذي يستطيع أن يتصور أن إلها ينزل قرآنا يتحدى به ثم يأتي في القرآن بقضية مازالت في الغيب ويجازف بها، إن لم تكن ستقع ؟ والحق يقول :" فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه " و " سوف " تخبرنا بموقف قادم سيأتي من بعد ذلك، ونقول هنا : من الذي يستطيع أن يتحكم في اختيارات الناس للإيمان ؟ لا أحد يستطيع أن يتحكم في اختيارات الناس للإيمان إلا الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يتحكم ويحكم ويخبرنا بأنه سوف يأتي أناس يؤمنون بدلا من المرتدين.
أما إن ارتد أناس، وانتظروا أن يروا البديل لهم، ولم يأت فماذا يكون الأمر ؟ لابد أن تنصرف الناس عن الدين ولم يكن الحق ليجازف ويجري على لسان محمد بأن قوما سيرتدون وهو لا يعلم أيأتي قوم مرتدون ؟ والعلم جاء في هذه الآية كما جاء في كل القرآن من الله جل وعلا، وقد قالها الحق قضية كونية : " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه " وهل هناك قوم يحبهم الله وهم لا يحبونه ؟ ونقول : إن هذا لا يحدث مع الله، وإن كان يحدث في الحياة البشرية مثلما قال الشاعر العربي :
| أنت الحبيب ولكني أعوذ به | من أن أكون محبا غير محبوب |
ومثال هذا عندما نذهب إلى طبيب ويصف لنا دواء مرا غير مستساغ الطعم، ونجد الإنسان الموصوف له الدواء يذهب إلى الصيدلية للسؤال عن الدواء، فإن لم يجده فهو يلف ويدور ويسأل في كل صيدليات البلد فإن لم يجده فهو يوصي المسافر إلى الخارج لعله يأتي له بالدواء وإذا جاء له صديق بهذا الدواء فهو يمتلئ بالامتنان بالسرور، أيقبل المريض على الدواء غير المستساغ بعاطفته أم بعقله ؟ إنه يقبل على الدواء غير المستساغ الطعم ويحبه ويحبه بعقله والحب العقلي إذن هو إيثار النافع.
ومثال ذلك نجد الوالد لابن غبي يحب ابنا ذكيا لإنسان غيره.
الوالد هنا يحب ابنه الغبي بعاطفته ولكنه يحب ابن جاره لأنه يمتلك رصيدا من الذكاء، إذن هناك حب عقلي وحب عاطفي وهذا ما يحدث في المجال البشري لكن بالنسبة لله فلا.
وعندما يقول الحق : " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه " أي أنهم يحبون الله بعقولهم وقد يتسامى الحب إلى أن يصير بعاطفتهم وقد يجرب ذلك حين يجري الله على أناس أشياء هي شر في ظاهرها ولكنهم يظلون على عشق لله، ومعنى ذلك أن حبهم لله انتقل من عقولهم إلى عاطفتهم وسيدنا عمر جرى معه
تفسير الشعراوي
الشعراوي