ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢ

وإنما قال: (فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ) فخص لفظ الإصباح لأمرين:
أحدهما: لما كان أكثر محاربتهم وغاراتهم وقت الصباح كثر عبارتهم عن التغيرات وعلى هذا قول الشاعر:

يَا راقداً الليلَ مسروراً بأوله إن الحوادثَ قَدْ يَطرقنَ أسحاراً
والثاني: أنه لما كان بالإصباح انتهاء الظلمة، وانتشار الأشعة، وظهور ما كان بالليل مستتراً خص (فأصبحوا) تنبيهاً على زوال غمة الجهالة وظهور الخفاء كقولهم فِى المثل لما يظهر: بزغ الخفاء بداء الصبح لذي العينين،
ونحو ذلك.
وقوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)
قرأ أهل المدينة من يرتدد وذلك لغة.
قوله (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) أي ليَني الجانب على المؤمنين،

صفحة رقم 379

كما قال: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) الآية،
وقيل: هى فيمن ارتد في زمن أبي بكر - رضي الله عنه -، وقيل: فيمن كانوا مع النبي - ﷺ -، والأظهر أنه فيهم وفي غيرهم، وأنه وعد تعالى أنه يحفظ دينهم بقوم رضي الله عنهم ورضوا عنه، ويتحرى مرضاتهم ويتحروا مرضاته، وذلك كقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩).

صفحة رقم 380

(وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨).
وقد تقدم حقيقة محبة الله للعباد ومحبتهم له، وجعل من حقيقة محبتهم لله أن وصفهم أنهم أذلةٍ على المؤمنين، أي متواضعين، فالتواضع الانقياد لما يورث رقة والتعزز على من يورث صعبة، وفي وصفهم بذلك وصف ينفي الجهل
عنهم، وحصول العلم لهم، وتهذيب أنفسهم فإن التواضع ثمرة العلم وتهذيب النفس، وقد تقدم أن الجهاد ضربان: مجاهدة الغير، وذلك إما
باللسان، وإما بالبنان، ومجاهدة النفس، وذلك بإصلاح القوة العلمية، وإصلاح القوة العملية.
المجاهد إمَّا مجاهد للنفس، وإمَّا لشياطين الإنس والجن،
قال بعضهم: - جهاد النفس أن لا نتركها تفتر عن الطاعة، وجهاد
الشيطان أن لا يجد منك فرصة فيأخذ منك حظاً، وجهادُ العَدُوَّان تدنوا من
صفة المسلمين.
قوله: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ) أي الجهاد في سبيل الله، وما ذكر
به القدم للذين يحبهم ويحبونه: (يُؤتِيهِ) أي المستحقين.

صفحة رقم 381

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية