ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢ

٥٤ - قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ، وقرأ أهل الحجاز والشام: (يرتدد) بإظهار الدالين (١). قال الزجاج هو الأصل، لأن الثاني إذا سكن من المضاعف ظهر التضعيف نحو: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ [آل عمران: ١٤٠] ويجوز في اللغة: إن يمسكم (٢).
قال أبو علي (٣): من أظهرهما (٤) أن الحرف المدغم لا يكون إلا ساكناً، ولا يمكن إدغام الحرف الذي يدغم حتى يسكن، لأن اللسان يرتفع عن المدغم والمدغم فيه ارتفاعة واحدة، فإذا لم يسكن لم يرتفع اللسان ارتفاعة واحدة، وإذا لم يرتفع لم يمكن الإدغام، فإذا كان كذلك لم يسغ الإدغام في الساكن؛ لأن المدغم إذا كان ساكنًا والمدغم فيه كذلك التقى ساكنان، والتقاء الساكنين في الوصل من هذا النحو ليس من كلامهم، فلهذا أظهر من أظهر، وهو لغة أهل الحجاز (٥)، وأما من أدغم فإنه أسكن الحرف الأول للإدغام، فاجتمع ساكنان، فحرك بالفتح، ويجوز في اللغة التحريك بالكسر، فيقال: من يرتدِّ (٦).
قال أبو إسحاق: ويجوز في العربية في هذا الحرف ثلاثة أوجه "يرتدد" بدالين، و"يرتدَّ" بفتح الدال، و"يرتدِّ" بكسر الدال (٧).

(١) قراءة نافع وابن عامر، انظر: "الحجة" ٣/ ٢٣٢، "النشر" ٢/ ٢٥٥.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٨٢.
(٣) الفارسي في "الحجة للقراء السبعة".
(٤) في الحجة: "حجة من أظهرهما".
(٥) "الحجة" ٣/ ٢٣٢، ٢٣٣.
(٦) انظر: "الحجة" ٣/ ٢٣٣.
(٧) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٨٢.

صفحة رقم 426

قال أبو علي: وهذا لغة تميم، وإنما أدغموا لأنهم شبهوا حركة البناء بحركة الإعراب، وذلك أنهم قد اتفقوا على إدغام المعرب نحو: يرتد، فلما وجدوا ما ليس بمعرب مشابهاً للمعرب في تعاور الحركات عليه تعاورها على المعرب، جعلوه بمنزلة المعرب فأدغموه كما أدغموا المعرب بيان هذا أن المعرب يتحرك أيضاً بحركتين (الرفع والنصب) (١) نحو: يرتَدُّ ويرتَدَّ، فشبهوا حركة البناء بحركة الإعراب، وهذا يدل على صحة ما ذهب إليه سيبويه من تشبيه حركة الإعراب بحركة البناء في التخفيف، نحو: أشربْ غير مستحقبٍ (٢).
شبه ر بْ غَ (٣) بفخذ وعضد وسبع، فخفف كما يخفف الفخذ والسبع، ألا ترى أن بني تميم شبهوا حركة البناء بحركة الإعراب في إدغامهم في الساكن المحرَّك بغير حركة إعراب، كذلك شبهوا حركة الإعراب بحركة البناء في نحو: أشربْ غير مستحقب... (٤).
وقد جاء التنزيل بالأمرين فقال: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ [النساء: ١١٥].
وقال: وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأنفال: ١٣] (٥).

(١) ليس في: (ج).
(٢) من قول امرئ القيس:
فاليوم أشرب غير مستحقب... إثمًا من الله ولا واغل
المستحقب: المتكسب، والواغل الداخل على القوم يشربون ولم يدع، يقول هذا حين أخذ بالثأر من قتلة أبيه يزعم أن الخمر حلت له فلا يأثم بشربها وقد نذر ألا يشرب حتى يأخذ بالثأر. انظر كتاب سيبويه ٤/ ٢٠٤، وحاشية "الحجة للقراء السبعة" ١/ ١١٧.
(٣) (ر ب غ) من قوله: (أشربْ غير) من الشاهد.
(٤) سبق قريبًا.
(٥) "الحجة للقراء السبعة" ٣/ ٢٣٣، ٢٣٤ باختلاف يسير في بعض الألفاظ.

صفحة رقم 427

فأما التفسير فقال الحسن: علم الله تعالى أن قوماً يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم - ﷺ -، فأخبرهم أنه سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه (١).
واختلفوا في ذلك القوم من هم: فقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - والحسن وقتادة والضحاك وابن جريج: هم أبو بكر - رضي الله عنه - وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ومنكري الزكاة (٢).
قالت عائشة: مات رسول الله - ﷺ -، وارتدت العرب، واشرأب النفاق ونزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها (٣).
قال المفسرون: وذلك أن أهل الردة قالوا: أما الصلاة فنصلي، وأما الزكاة فلا نُغصَبُ أموالنا، فقال أبو بكر: لا أفرق بين ما جمع الله، قال الله: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة: ٤٣]. والله لو منعوني عقالاً مما أدوا إلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم عليه (٤).
والمناظرة التي جرت بينه وبين عمر في هذا معروفة (٥).
قال أنس بن مالك: كرهت الصحابة قتال مانعي الزكاة، وقالوا: أهل

(١) الأثر في الوسيط ٢/ ١٩٩، البغوي ٣/ ٦٩، "زاد المسير" ٢/ ٣٨٠.
وأخرج الطبري ٦/ ٢٨٢ - ٢٨٣ من طرق عن الحسن أنه قال: نزلت في أبي بكر وأصحابه.
(٢) أخرج الآثار عنهم: الطبري ٦/ ٢٨٣ - ٢٨٤، وذكرهم البغوي ٣/ ١٦٩، وابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ٣٨١، والسيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٥١٧.
(٣) ذكره البغوي ٣/ ٧١.
(٤) أخرج الأثر بنحوه البخاري (١٤٠٠) كتاب الزكاة/ باب: وجوب الزكاة. ومسلم (٢٠) كتاب الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله.
(٥) جاء منصوصًا عليها في الأثر السابق في البخاري ومسلم.

صفحة رقم 428

القبلة. فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده، فلم يجدوا بُدّاً من الخروج على أثره (١).
وقال ابن مسعود: كرهنا ذلك، وحمدناه في الانتهاء ورأينا ذلك رشداً (٢).
وقال ابن عباس: فجاهدهم أبو بكر بالسيف (٣)، فإن قيل: إن قوله: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يوجب أن يكون ذلك القوم غير موجودين في وقت نزول هذا الخطاب، وأبو بكر ممن كان في ذلك الوقت؟
قيل: إن من قاتل أبو بكر بهم (٤) أهل الردة لم يكونوا في ذلك الوقت.
قال قتادة: "بعث الله عصائب مع أبي بكر، فقاتل على ما قاتل عليه نبي الله، حتى سَبى وقتل وأحرق بالنار ناساً ارتدوا من الإسلام ومنعوا الزكاة" (٥).
وقال الكلبي: "أتى الله بخير من الذين ارتدوا فشدد بهم (الدين) (٦)، وهم أحياء من كندة وبجيلة خمسة ألاف (٧)، وألفان من النَخَع، وثلاثة آلاف من أفناء (٨) الناس" (٩).

(١) ذكره البغوي ٣/ ٦٩ وابن الجوزي "زاد المسير" ٢/ ٣٨١.
(٢) ذكره البغوي ٣/ ٧٠.
(٣) انظر: "بحر العلوم" ١/ ٤٤٣، ٤٤٤.
(٤) في (ج) بعد "بهم" زيادة: "هم"، وهذه الزيادة تقلب المعنى رأسًا على عقب.
(٥) أخرجه الطبري ٦/ ٢٨٣.
(٦) في (ج): (الذين).
(٧) في النسختين: (ألف).
(٨) هكذا في النسختين بالنون، وفي البغوي ٣/ ٧١ بالياء (أفياء) وقد يكون أصوب جمع فئة تجوزًا، وإن كانت فئة تجمع على "فئون وفئات". انظر: "الصحاح" ١/ ٦٣ (فيأ).
(٩) ذكره البغوي ٣/ ٧١.

صفحة رقم 429

فهؤلاء قاتلوا أهل الردة بأمر أبي بكر، فحمدوا بطاعتهم له وانتهائهم إلى أمره، فليس يخرج أبو بكر عن أن يكون منهم، ثم الآية تتناول بعمومها كل من يكون منهم، ثم الآية تتناول بعمومها كل من يكون بعدهم إلى قيام الساعة، ممن يجاهد أهل الشرك والكفر والردة في سبيل الله.
وقوله تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، بدأ بمحبته لأنها الجالبة والموجبة لمحبتهم، ولا يحب الله إلا من أحبه الله، ولولا محبة الله إياهم ما أحبوه، فهذا طريق في تفسير هذه الآية، وروي مرفوعاً أن النبي - ﷺ - لما نزلت هذه الآية (أومأ) (١) إلى أبي موسى الأشعري فقال: "هم قوم هذا" (٢).
أخبرناه الأستاذ أبو إبراهيم إسماعيل بن أبي القاسم النصر اباذي، أخبرنا الإِمام أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب، حدثنا أبو عَمرو الحوضي، حدثنا شعبة، عن سماك، عن عياض الأشعري قال: لما نزلت هذه الآية (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) قال رسول الله - ﷺ -: "هم قوم هذا". يعني أبا موسى الأشعري. أخرجه الحاكم في المستدرك (٣) عن ابن السماك، حدثنا عبد الملك بن محمد، حدثنا وهب بن جرير عن شعبة، وتفسير النبي - ﷺ - أولى بالاتباع، وإذا كان

(١) في (ج): (اومى).
قال ابن منظور: "وأومأَ تومأَ، ولا تقل: أوميت. الليت:
الإيماء أن تومئ برأسك أو بيدك " اللسان ١/ ٢٠١ (ومأ).
(٢) الطبري ١٠/ ٤١٥، وسيأتي تخريج الحديث.
(٣) ٢/ ٣١٣ وصححه على شرط مسلم، كما أخرجه الطبري ٦/ ٢٨٤، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٥١٨ إلى ابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه.

صفحة رقم 430

قد فسر الآية وبين أن المراد بالقوم المذكور فيها الأشعرية، فليست إلا الفرقة المعروفة بالأشعرية الذين ينتسبون في مذهبهم إلى أبي الحسن الأشعري (١).
وكان -رحمه الله- من صُلبَيهِ (٢) نسب أبي موسى، فإنه علي بن إسماعيل ابن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري (٣)، أتى الله به فجاهد أهل البدع الذين ارتدوا عن سنن الصحابة وسنة النبي - ﷺ - في المسائل المشهورة من أصول الدين التي لم يقع فيها خلاف زمن الصحابة كمسألة القدر (٤)، وخلق الأعمال (٥)، ورؤية الله تعالى في الجنة (٦)، وما أشبهها، فنصرها وأوضح أدلتها، ونفى الشبه وأبطلها، فكل من انتحل مذهبه فهو من جملة قومه الذين قال النبي - ﷺ - في إشارته إلى أبي موسى: "هم قوم هذا" (٧)، لأن قوم

(١) الجزم بذلك فيه نظر، فإن قوم أبي موسى لا ينحصر في ذريته وأصل ذريته قبل نشأة أبي الحسن رحمه الله، والأشعرية فرقة خالفت أهل السنة في كثير من مسائل العقيدة كالتأويل في الصفات وغير ذلك، على أن الأشاعرة لم يتابعوا الأشعري في جميع المسائل وإنما اشتهروا بالانتساب إليه!
(٢) هكذا في النسختين، وقد جاءت مشكولة في: (ش)، وفيها إشكال.
(٣) هكذا نسبه الذهبي وأن مولده سنة ٢٦٠ هـ وقيل ٧٠ هـ، وقال عنه العلامة، إمام المتكلمين، توفي سنة ٣٢٤ هـ كان على مذهب المعتزلة ثم رجع عنه ورد عليهم. وله مصنفات كثيرة.
انظر: "سير أعلام النبلاء" ١/ ٨٥ - ٩٠، والبداية والنهاية ١١/ ١٨٧.
(٤) انظر: "مقالات الإسلاميين" لأبي الحسن الأشعري ص ٢٢٧ - ٢٤٠.
(٥) انظر: "مقالات الإسلاميين" ص ١٩٥، ٢٣٨.
(٦) انظر: "مقالات الإسلاميين" ص ١٥٧، ٢١٧.
(٧) سبق تخريجه قريبًا.

صفحة رقم 431

الرجل أتباعه المقتدون به، لا أنسباؤه وأقاربه، ألا ترى أن في التنزيل كل موضع أضيف فيه قوم إلى نبي أريد به أتباعهم الذين آمنوا بهم، لا أنسباؤهم، كقوله تعالى: وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ الآية [الأعراف: ١٥٩].
وقوله تعالى: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ.
قال ابن عباس: "تراهم للمؤمنين كالولد لوالده، وكالعبد لسيده، وهم في الغلظة على الكافرين كالسبع على فريسته" (١).
وهذا كقوله تعالى: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩].
وقال ابن الأعرابي فيما روى عنه أبو العباس (٢): معنى قوله: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ رحماء رفيقين بالمؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ غلاظ شداد عليهم (٣).
وقال ابن الأنباري: أثنى الله تعالى على هؤلاء المؤمنين بأنهم يتواضعون للمؤمنين إذا لقوهم، ويعنفون بالكافرين ويلقونهم بالغلظة والفظاظة، وقال أبو إسحاق في هذه الآية: الفاء في قوله: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ جواب الجزاء، أي إن ارتد أحد عن دينه الذي هو الإيمان فسوف يأتي الله بقوم مؤمنين غير منافقين (٤).
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي جانبهم لين على المؤمنين، ليس أنهم أذلة مهانون (٥).

(١) في "بحر العلوم" ١/ ٤٤٤ نسبه لعلي بن أبي طالب، في البغوي ٣/ ٧٢ لكن نسبه لعطاء! ولم أقف عليه عن ابن عباس.
(٢) الظاهر أنه المبرد، محمد بن يزيد.
(٣) من "تهذيب اللغة" ٢/ ١٢٩٠ مادة (ذل).
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٨٢، ١٨٣.
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٨٣، والكلام متصل للزجاج.

صفحة رقم 432

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية