ثم رد عليهم بقوله : ما المسيح ابن مريم إلا رسول بشر قد خلت من قبله الرسل ، وخصه الله بآيات، كما خصهم بها، فإن كان قد أحيا الله الموتى على يديه، فقد أحيا العصى، وجعلها حية تسعى على يد موسى، بل هو أعجب، وإن كان قد خلقه الله من غير أب، فقد خلق آدم من غير أب وأم، وهو أغرب، وأمه صديقة فقط، كسائر النساء اللاتي يلازمن الصدق أو التصديق، كانا يأكلان الطعام ويفتقران إليه افتقار الحيوانات، قال البيضاوي : بيّن أولاً أقصى مالهما من الكمال، ودل أنه لا يوجب لهما ألوهية ؛ لأن كثيرًا من الناس يشاركهما في مثله، ثم نبه على نقصهما، وذكر ما ينافي الربوبية ويقتضي أن يكون من عداد المركبات الكائنة الفاسدة، أي : القابلة للفساد، ثم عجب ممن يدعي الربوبية لهما مع أمثال هذه الأدلة الظاهرة، فقال : انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنا يؤفكون أي : كيف يُصرفون عن استماع الحق وتأمله، و ثم للتفاوت بين العجبين، أي : أن بياننا للآيات عجب، وإعراضهم عنها أعجب.
وقال في التنوير : أبى المحقّقون أن يشهدوا مع الله سواه ؛ لما حققهم به من شهود الأحدية وإحاطة القيومية. هـ. وفي الحكم :" الأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته ". مُذ عَرَفتُ الإله لَم أرَ غَيرًا وكَذَا الغَيرُ عِندَنَا مَمنُوعُ مُذ تَجَمَّعتُ مَا خَشيتُ افتِراقاً فَأنَا اليَومَ واصِلٌ مجمُوعُ
وهؤلاء هم الصديقون المقربون. نفعنا الله بذكرهم، وخرطنا في سلكهم. آمين.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي