ما المسيح ابن مريم إلا رسول فهو بشر مخلوق الله تعالى، وعبد من أصفياء عباده، اختاره للرسالة، كسائر الرسل الذين مضوا قبله، وسيمضي كما مضوا، فكيف يكون إلاها أو جزء إله ؟
إن ذلك باطل من القول. و أمه صديقة أي وما أمه إلا أمة من إماء الله كسائر النساء ديدنها الصدق مع الله، أو التصديق له في سائر أمورها، فمن أين لكم وصفها بما وصفتموها به ؟ كانا يأكلان الطعام أي كانا محتاجين إلى القوت، وإلى القوى التي لا بد منها في هضمه، وإحالته إلى ما به قوام الجسم والحياة، وفي نفض ما لا بد من نفضه من المواد، وليس شيء من ذلك في قدرتهما، وإنما هو بقدرة الله تعالى وتدبيره، فهما في ذلك كسائر البشر، فكيف تنسبون إليهما ما نسبتم من الباطل المحال ؟
وقيل- كما قال الآلوسي-إنه كناية عن قضاء الحاجة، لأن من أكل الطعام احتاج إلى النفض. وهذا أمر مذاقا في أفواه مدعى ألوهيتهما، لما في ذلك- مع الدلالة على الاحتياج المنافي للألوهية- من البشاعة ما لا يخفى. أنى يؤفكون كيف يصرفون عن استماع الحق وتبينه مع ما بينا من دلائله. إن ذلك لشيء يتعجب منه غاية التعجب. يقال : أفكه عن الشيء يأفكه أفكا، صرفه عنه وقلبه، فأنا آفكه وهو مأفود وقد أفكت الأرض أفكا : صرف عنها المطر.
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف