ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ

وقوله تعالى : ما المسيح ابن مريم إلا رسول في الآية دلالة المحاجة مع الفريقين [ في وجهين : أحدهما : أنهم ] كانوا فريقين ؛ أحد الفريقين كانوا يكفرون أنه رسول، والفريق الآخر يدعون له الربوبية والألوهية. فقال : إنه ابن مريم، وابن مريم لا يحتمل أن يكون إلها.
والثاني : أخبر أنه رسول قد خلت من قبله الرسل أي قد خلت من قبل عيسى رسل مع آيات وبراهين. لم يقل أحد من الأمم السالفة أنهم كانوا آلهة، فكيف قلتم أنتم بأن عيسى إله ؟ وإن كان معه آيات وبراهين رسالته.
وقوله تعالى : وأمه صديقة قيل : مطهرة من الأقدار كلها صالحة. وقيل : صديقة تشبه النبيين، وذلك إن جبريل عليه السلام لما أتاها، وقال : قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا [ مريم : ١٩ ] صدقته كتصديق الأنبياء والرسل الملائكة. وأما سائر الخلائق إنما يصدقون الملائكة بإخبار الرسل إياهم، وهي إنما صدقت جبريل بإخباره [ إياها ] أنه ملك وأنه رسول. لذلك سميت صديقة، والله أعلم.
وقيل : كل مؤمن صديق كقوله تعالى : والذين ءامنوا بالله ورسله، أولئك هم الصديقون الآية [ الحديد : ١٩ ].
وقوله تعالى : كانا يأكلان الطعام فيه الاحتجاج عليهم من وجهين :
أحدهما : أن الجوع كان يغلبهما، ويحوجهما إلى أن يدفعا ذلك عن نفسهما. ومن غلبه الجوع، وقهره، كيف يصلح أن يكون ربا وإلها ؟
والثاني : أنهما إذا احتاجا إلى الطعام لا بد من أن يدفعهما ذلك إلى إزالة الأذى عن نفسهما ودفعه والقيام في أخبث الأماكن وأقبحها. فمن دفع إلى ذلك لا يكون إلها. تعالى الله عن ذلك علوا كثيرا.
وقوله تعالى : انظر كيف نبين لهم الآيات والآيات ما ذكر من وجهي المحاجة عليهم :
أحدهما : أنه ابن /١٣٤- ب/ مريم ؛ ومن كان ابن آخر لا يكون إلها.
والثاني : من أكل الطعام احتاج أن يدفع عن نفسه الأذى، ويقوم في أخبث مكان. ومن كان هذا أمره لم يكن ربا. وليس في القرآن، والله أعلم، آية أكثر ولا أبين احتجاجا على النصارى ولا أقطع لقولهم [ من ] هذه الآية للمعاني التي وصفنا.
وقوله تعالى : ثم انظر أنى يؤفكون أي من أين يكذبون ؟ قال أبو عبيدة : يؤفكون يصرفون، ويحادون عن الحق. كل من صرفته عن شيء فقد أفكته. ويقال : أفكت الأرض إذا صرف عنها القطر كقوله تعالى : يؤفك عنه من أفك [ الذاريات : ٩ ].
وقال ابن عباس رضي الله عنه : وذلك إفكهم وما كانوا يفترون [ الأحقاف : ٢٨ ] قال : أضلهم فقد صرفهم عن الهدى.
قال أبو عوسجة : الإفك عندي الصرف عن الحق، وفي الأصل : الإفك الكذب. وقال القتبي : يؤفكون يصرفون عن الحق، ويعذبون. وقيل : أنى يؤفكون يخدعون بالكذب.

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية