المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه انه اخذ الميثاق على بني إسرائيل وبعث فيهم النقباء- أعاد التذكير به هنا مرة أخرى وبين عوهم وشدة تمردهم وما كان من سوء معاملتهم لأنبيائهم.
ثم ذكر أن المسيح رسول كغيره من الرسل وأقام الدليل على ذلك فقال :
ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام أي ليس المسيح إلا رسول من الرسل الذين بعثهم الله لهداية عباده قد مضت من قبله رسل اختصهم مثله بالرسالة وأيدهم بالآيات وأمة صديقة فلها في الفصل مرتبة تلي مرتبة الأنبياء والمرسلين.
ونحو الآية قوله : وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ( التحريم : ١٢ ).
أما حقيقتها النوعية والجنسية فهي مساوية لحقيقة غيرهما من أفراد نوعهما وجنسهما فهما يأكلان الطعام ليقيما بنيتهما ويمدا حياتهما لئلا ينحل بدنهما ويهلكا وكذلك يعرض لهما ما يستلزمه أكل الطعام من الحاجة على دفع الفضلات فلا يمكن أن يكون كل منهما إلها خالقا ولا ربا معبودا ومن السفه أن يحتقر الإنسان نفسه ويحتقر جنسه ويرفه بعض المخلوقات المساوية له في الماهية والمشخصات والممتازة بميزات عرضية فيجعل نفسه عبدا لها ويسميها آلهة أو أرباب.
وبعد أن بين حالهما بيانا لا يحرم حوله شائبة من الريب تعجب من حال من يدعي لهما الربوبية ولا يرعوى عن غيه وضلاله ولا يتأمل فيما هو عليه من أفن الرأي والخطأ فقال :
انظر كيف نبيين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون الآيات هي الدلائل القاطعة ببطلان ما يدعون ويؤفكون أي يصرفون عن التأمل فيها لسوء استعدادهم وخبث نفوسهم.
أي انظر أيها السامع نظرة عقل وفكر كيف نبين لهؤلاء النصارى الآيات والبراهين البالغة أقصى الغايات في الوضوح على بطلان ما يدعون في أمر المسيح ثم هم بعد ذلك يعرضون عنها وكيف لا ينتقلون من مقدماتها إلى نتائجها ومن مباديها إلى غاياتها فكأنهم فقدوا عقولهم وصارت أفئدتهم هواء.
تفسير المراغي
المراغي