ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋ

روى الترمذي وغيره عن ابن عباس أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : يا رسول الله إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي فحرمت علي اللحم فأنزل الله تعالى.
يأيها الذين أمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم (١) أي ما طاب ولذا وتشتهيها الأنفس من الحلال، وفي ترتيب الآيات لطافة فإنه تضمن ما قبله مدح النصارى على ترهبهم والحث على كسر النفس ورفض الشهوات ثم عقبه النبي عن الإفراط في ذلك والاعتداء عما حد الله تعالى بجعل الحلال حرما، فقال : ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ويجوز أن يراد به ولا تعتدوا حدود ما أحل الله لكم إلى ما حرم عليكم فتكون الآية ناهية عن تحريم ما أحل وتحليل ما حرم داعية إلى القصد بينهما، وجاز أن يكون المعنى ولا تسرفوا في تناول الطيبات، أخرج ابن جرير من طريق العوفي أن رجالا من الصحابة منهم عثمان بن مظعون حرموا النساء واللحم على أنفسهم وأخذوا الشفار ليقطعوا مذاكيرهم لكي ينقطع الشهوة عنهم ويتفرغوا للعبادة فنزلت هذه الآية، وأخرج ابن جرير نحو ذلك من مرسل عكرمة وأبي قلابة ومجاهد وأبي مالك والنخعي والسدي وغيرهم، وفي رواية السدي أنهم كانوا عشرة منهم ابن مظعون، وعلي ابن أبي طالب، وفي رواية عكرمة منهم ابن مظعون وعلي وابن مسعود والمقداد الأسود وسالم، مولى حذيفة، وفي رواية مجاهد منهم ابن مظعون، وعبد الله عمرو. وأخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق السدي الصغير عن الكلبي : عن أبي صالح عن عباس قال : نزلت هذه الآية في رهط من الصحابة منهم أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعثمان بن مطعون والمقداد بن الأسود وسالم مولى أبي حذيفة توافقوا على أن يجبوا أنفسهم ويعتزلوا النساء ولا يأكلوا لحما ولا دسما ويلبسوا المسوح ولا يأكلوا من الطعام إلا قوتا وأن يسيحوا في الأرض كهيئة الرهبان فنزلت. وذكر البغوي : عن أهل التفسير إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الناس يوما ووصف القيامة فرق الناس له وبكوا فاجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون الجمحي وهم أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الأسود، وسلمان الفارسي ومعقل ابن مقرن رضي الله عنهم أجمعين، وتشاوروا واتفقوا على أن يترهبوا ويلبسوا المسموح ويجبوا مذاكيرهم ويصوموا الدهر ويقولوا الليل، ولايناموا على الفراش ولا يأكلوا اللحم والودك ولا يقربوا النساء والطيب ويسيحوا في الأرض فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى دار عثمان بن مظعون فلم يصادفه، فقال : لامرأته أم حكيم بنت أبي أمية واسمها الخولاء وكانت عطارة أحق ما بلغني عن زوجك وأصحابه ؟فكرهت أن تكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكرهت أن تبدي على زوجها، فقالت يا رسول الله إن كان أخبرك عثمان فقد صدقك، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دخل عثمان أخبرت بذلك فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال : لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم أنبأكم أنكم اتفقتم على كذا وكذا ؟قالوا بلى يا رسول الله وما أدرنا إلا الخير، فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إني لم أؤمر بذلك ) ثم قال : لأنفسكم عليكم حقا فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم وآتي النساء ومن رغب عن سنتي فليس مني ) ثم جمع الناس وخطبهم، فقال :( ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا أما فإني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد واعبدوا الله تعالى ولا تشركوا به شيئا وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان واستقيموا يستقم لكم فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع فأنزل الله عز وجل هذه الآية وروى البغوي : بسنده عن سعد بن مسعود أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال : ائدن لنا في الإختصاء فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ليس منا من خصى ولا من اختصى، إن خصاء أمتي الصيام ) فقال : يا رسول الله ائذن لنا في السياحة فقال :( أن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله ) قالوا يا رسول الله ائذن لنا في الترهب، فقال :( إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد وانتظار الصلاة ) وفي الصحيحين عن أنس قال :( جاء ثلاثة رهط إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها، فقالوا : أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟فقال : أحدهم أما أنا فأصلي الليل أبدا، وقال : الآخر أنا أصوم النهار ولا أفطر، وقال : الآخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال :)( أنتم الذي قتلتم كذا وكذا ؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ) (٢) وروى أبو داود عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول :( لا تشدوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم شدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديار رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ) (٣) وفي الصحيحين عن عائشة قالت :( صنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا فرخص فيه فتنزه عنه قوم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخطب فحمد الله ثم قال :( ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فو الله إني لأعلمهم بالله وأشدهم خشية )

١ أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة المائدة(٣٠٤٩) وقال عنه: غريب وروي مرسلا من طريق آخر..
٢ أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب: الترغيب في النكاح (٥٠٦٣) وأخرجه مسلم في كتاب: النكاح، باب: استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه (١٤٠١)..
٣ أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: من لم يواجه الناس بالعتاب (٦١٠١) وأخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: علمه صلى الله عليه وسلم تعالى وشدة خشيته(٢٣٥٦)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير